زهرة الجنوب
May 11th,2007, 08:58 AM
لأن منصب من يخلف النبي هو حجر الأساس لنظام الحكم في الإسلام، ولقطع الطريق على أعداء الله السابقين الذين تستروا بالإسلام، وحتى لا تكون لهم حجة يحتجون بها أمام الله، فقد أمر الله رسوله بأن ينصب ويتوج عليا إماما من بعده وأن يكلف المسلمين بمبايعته فردا فردا تحت إشراف الرسول شخصيا، فصدع الرسول بأمر ربه فأكمل رسول الله والمسلمون شعائر فريضة الحج، ولأن الرسول قد أعلن بأن حجته تلك هي حجة الوداع، وأنه لن يراهم أبدا بعد هذا العام، فقد تعلقت به القلوب والأبصار، وأرادوا أن يتزودوا من النظر إليه، وأن يسمعوا كل كلمة يقولها.
خرج النبي من مكة متوجها إلى المدينة، وتبعته وفود الحجيج، وفي مكان يدعى غدير خم، أناخ النبي ركابه، وأمر برد الذين سبقوه بالسير، وباستعجال الذين تأخروا عنه، وأحيط المسلمون علما بأن الرسول سيصدر بيانه الأخير، وتلخيصه للموقف، من خلال خطبة سيلقيها أمام الجموع.
واحتشد المسلمون بالفعل في غدير خم وجاوز عددهم بأقل التقديرات مائة ألف مسلم ومسلمة، وبعد قليل ظهر النبي وإلى جانبه علي بن أبي طالب، الناس جلوس، والنبي وعلي في حالة وقوف، في مكان مكشوف ومرئي من كل الناس.
خشعت الأصوات، فلا تسمع ولا همسا، العيون معلقة بالنبي وبعلي والجميع يتساءلون، لماذا جمع رسول الله الناس؟! وأي أمر خطير يريد أن يعلنه؟ حمد رسول الله، الله وأثنى عليه ثم قال:
(كأني قد دعيت فأجبت... أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب!!...).
لقد تأكد المسلمون السامعون من أن الرسول سيموت لا محالة فتابعوا بشغف واهتمام كل كلمة كانت تخرج من فم الرسول.
ثم تابع الرسول خطبته قائلا: (وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فيه النور والهدى فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).
وفجأة سأل رسول الله الجموع المسلمة المحتشدة أمامه قائلا: (أيها الناس من وليكم؟) فردت الجموع بصوت واحد: (الله ورسوله) وهنا أخذ الرسول بيد علي فأقامه ثم قال: (من كان الله ورسوله وليه فهذا علي وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).
ومرة أخرى سأل الرسول المسلمين: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقال المسلمون: بلى! وسألهم الرسول ثانية: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ فقال المسلمون بلى، فرفع الرسول يد علي بن أبي طالب وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
ثم قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس إني وليكم، قال الناس نعم، فرفع الرسول يد علي بن أبي طالب وقال: (هذا وليي ويؤدي عني، وأنا موال من والاه، ومعاد من عاداه).
ثم أكد الرسول (صلى الله عليه وآله) الحقيقة التي اتفق عليها الجميع فقال: (إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
هذه مقاطع من خطبة الرسول في غدير خم.
1 - بعد انتهاء الرسول من إلقاء بيانه المبارك، عمم علي بن أبي طالب بما يعتم به الملائكة، كناية عن التتويج.
2 - فهم المسلمون المجتمعون مغزى رسول الله، وتلخيصه الدقيق والموفق للموقف فأيقنوا بأن رسول الله قد نصب علي بن أبي طالب وليا للأمة وإماما لها من بعده، ولم يترك رسول الله الأمر عند هذا الحد، بل أمر الإمام عليا أن يجلس في مكان خصصه له، وطلب من المهاجرين والأنصار ومن كافة المجتمعين أن يذهبوا إلى الإمام فيبايعوه، ويقدموا له التهاني بهذا المنصب، وأخذ المسلمون يتدافعون لمبايعة الإمام الجديد وتقديم التهاني له، وكان من جملة الذين بايعوا وقدموا التهاني عمر بن الخطاب، فبايعه وهنأه قائلا: (بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ومسلمة)(77) أو قال: (هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة)(78) ومن الطبيعي أن أبا بكر وعثمان وكبار الصحابة والمهاجرين والأنصار قد بايعوا جميعا، وقدموا تهانيهم للإمام، ومن الطبيعي أن يبايع كافة الحاضرين وأن يقدموا تهانيهم للإمام، لأن رسول الله قد أمر الجميع بذلك.
بعد أن انتهت مراسم تنصيب وتتويج من سيخلف رسول الله، هبط جبريل ومعه آية الإكمال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي...) (79) وصار يوم الغدير عيدا.
بعد ذلك عاد رسول الله ومعه حجاج المدينة وما حولها إلى المدينة، أما بقية وفود الحجيج فقد التحقت بأماكن سكناها، والجميع على بينة من الأمر.
النجاح النبوي الساحق بإبراز من سيخلفه
في الوقت نفسه الذي كان فيه رسول الله يركز على حقيقة وطبيعة المكانة الخاصة المميزة التي اختارها الله لأهل بيته، كان النبي يسلط أضواء ربانية قال السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم...) أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري، هبط جبريل بهذه الآية لما نصب رسول الله عليا يوم غدير خم، ونادى له بالولاية. وقال: وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر مثل ذلك عن أبي هريرة، قال الخطيب البغدادي في ج 8 ص 290 نزلت هذه الآية في غدير خم بعد المناداة بعلي وليا، راجع تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة الإمام علي ج 2 ص 75، وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج 1 ص 57، والدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 259، والاتقان للسيوطي ج 1 ص 31، والمناقب للخوارزمي ج 1 ص 47، وينابيع المودة للقندوزي ص 115، وفرائد السمطين للحمويني ج 1 ص 72 و 74 وتاريخ اليعقوبي ج 1 ص 35، وكتاب الولاية لأبي جرير الطبري، وما نزل من القرآن في علي لأبي نعيم الاصفهاني، وكتاب الولاية لأبي سعيد السجستاني، وتاريخ ابن كثير ج 5 ص 210 وروح المعاني للآلوسي ج 6 ص 55، والبداية والنهاية لابن كثير ج 5 ص 210، وأهل بيت النبوة مجمعون على صحة ذلك كله.
خاصة على الأئمة من أهل بيت النبوة فيقدمهم من خلال تركيزه الخاص عليهم كقادة شرعيين للأمة، وقد ساق رسول الله الخطين معا، فعمم المكانة السامية لأهل بيت النبوة، وأبرز المكانة الخاصة للأئمة الأعلام منهم.
فبين أن أهل بيت النبوة هم المطهرون(80)، وهم أولوا القربى التي فرض الله مودتهم (81)، وهم الأبناء والنساء والأنفس الذين عنتهم آية المباهلة (82) وهم الأبرار الذين عنتهم آية الاطعام (83)، وهم أولوا الأمر الذين فرض الله طاعتهم (84)، وهم أهل الذكر (85)... الخ.
كان هذا يحدث في الوقت الذي كان فيه الرسول يوطد للإمام علي ويقدمه للأمة على أساس أنه الإمام الشرعي الذي سيلي رئاسة وقيادة الأمة بعد موت النبي، ويوطد للإمامين الحسن والحسين على أنهما إمامان شرعيان من بعد أبيهما.
في حفل تنصيب وتتويج الإمام علي الذي تم في غدير خم نجح الرسول الأعظم نجاحا ساحقا بالربط الوثيق بين خطي الرئاسة والمرجعية، فقد أهل بيت النبوة كأحد ثقلي الإسلام، الذي لا تستقيم أمور الدنيا والدين إلا بهما. فأكد الرسول بكل وسائل التأكيد بأن الهدى من بعد وفاته لا يدرك إلا بالتمسك بالثقلين معا، وأنه لا يمكن تجنب الضلالة من بعده إلا بالتمسك بالثقلين معا (86)، وبعد أن نجح الرسول الأعظم بغرس هذه القناعة في قلوب سامعيه عالج الخط الخاص للرئاسة والمرجعية، فقدم الإمام علي بن أبي طالب عميد أهل بيت النبوة كرئيس ومرجع عام للأمة من بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وكقائم مقامه، ومؤد عنه أحكام الدين، ثم نصبه وتوجه أمام الجميع، فبلغ بيانه المدى في هذين المجالين، وطوال الفترة التي سبقت الهجرة، والتي تلت الهجرة، والرسول يتلقى التوجيهات الإلهية للأسلوب الواجب اعتماده بتقديم أهل بيت النبوة عامة، وتقديم الأئمة الذين سيلون الأمر من بعده خاصة، حتى إذا ما اكتمل البيان النبوي المتعلق بهاتين الناحيتين أمر الله رسوله بأن ينصب أول من سيخلفه وهو الإمام علي، وأن يأخذ له البيعة أثناء حياته من المسلمين، وهكذا فعل الرسول في غدير خم، والإمام علي وأهل بيت النبوة، والخاصة من المؤمنين، كانوا يعرفون بأن الرسول قد أعلن بأن الأئمة من بعده اثنا عشر أولهم علي، وثانيهم الحسن، وثالثهم الحسين، وتسعة من ولد الحسين سماهم الرسول بأسمائهم قبل أن يلدوا (87)، ومن المحال عقلا أن يعمل الرسول مثل هذه الأعمال، أو أن يرتب مثل هذه الترتيبات الخطيرة دون موافقة وتوجيه إلهي سابق، والدال على وجود التوجيه التأكيدات الإلهية القاطعة بأن الرسول يتبع ما يوحى إليه من ربه، ثم إنه بعد أن نصب الرسول الإمام عليا وتوجه في غدير خم نزلت آية الاكمال، وهذا يعني بأن العناية الإلهية توجه وتراقب بدقة متناهية، خطوات الرسول في هذا المجال.
في هذه الحالة لم يكن بوسع عاقل، أن يعارض الرسول، بل كل عاقل يجد نفسه سائرا في أثر الرسول، ومتوصلا إلى ذات النتائج التي توصل إليها الرسول فأهل بيت النبوة هم أقرب الناس للنبي، وهم القاسم المشترك بين المسلمين بعد وفاة النبي، وهم رمز وحدة وقاعدة الأمة، ورمز استمرارية الرسول، فعندما نذكر الأمة الإسلامية، تقفز إلى ذهنك صورة بانيها رسول الله، وفي غياب الرسول تقفز إلى الذهن الصورة المتماسكة لأهل بيته، لقد عرفنا مكانة علي وهو الإمام الأول، أما الأحد عشر فكلهم من أهل بيت النبوة، وكلهم أحفاد النبي، فحكم أي واحد منهم أدعى للاستقرار والرضا والقبول من حكم أي مسلم آخر، ففي ذلك استقرار لمؤسسة الرئاسة والمرجعية، وقطع لدابر الاختلاف والتنازع على الرئاسة من بعد النبي، وهذا هو أساس سلامة أمور الدين والدنيا.
لذلك فلا تعجب من قبول المسلمين العام لهذه التدابير، وتسليمهم الفطري بوجاهتها ومنطقيتها، فالمؤمنون الصادقون كانوا على خط النبي لا يحيدون عنه قيد أنملة، والمسلمون الآخرون آمنوا بوجاهة هذه الترتيبات، حتى المسلمون الأحداث والطلقاء سلموا بمنطقية هذه الترتيبات ووجاهتها.
اعترافات الأعداء والأصدقاء بتنصيب الإمام علي وتتويجه إماما للمسلمين من بعد النبي شهادة عمر بن الخطاب واعترافاته
مع أن عمر بن الخطاب، هو الذي قاد الانقلاب على الشرعية الإلهية، ونفذ نسف كافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بالقيادة والتي أعلنها الرسول وبينها بيانا كاملا، وعلى الرغم من أنه قد نصب أبا بكر خليفة ثم وصل إلى سدة الخلافة بعهد من الخليفة الأول إلا أنه قد صدرت منه مجموعة من الاعترافات تفيد بأن آل محمد أولى بميراثه وسلطانه، وأن علي بن أبي طالب هو الخليفة الشرعي الذي اختاره الله ونصبه رسوله، من ذلك:
1 - أن عمر بن الخطاب خاطب الأنصار في سقيفة بني ساعدة قائلا: (إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم... من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته...)(88).
أنت تلاحظ أن حجة عمر هي حجة أهل البيت وقد وظفها عمر لصالحه.
2 - وعمر يجلس على كرسي الخلافة المغتصبة قال يوما لابن عباس: (... أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان علي بن أبي طالب أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر...)(89).
3 - ثم أعلن عمر بن الخطاب الحقيقة تامة يوم صرح قائلا: (بأن الأمر كان لعلي بن أبي طالب، فزحزحوه عنه لحداثة سنة والدماء التي عليه)(90).
فهذا إقرار بأن عمر بن الخطاب يعلم علم اليقين بأن الأمر لعلي بن أبي طالب، وكيف ينسى ذلك وهو أول من بايع الإمام وهنأه في غدير خم!!
قال الحسن بن علي يوما لعمر بن الخطاب: (إنزل عن منبر أبي)، فقال عمر: (هذا منبر أبيك)(91).
شهادة واعتراف معاوية بن أبي سفيان
مع أن معاوية وأباه هما اللذان قادا جبهة الشرك ضد رسول الله، وقاوماه بكل أساليب المقاومة، وحارباه بكل فنون الحرب، ولم يستسلما حتى أحيط بهما فاضطرا اضطرارا للتلفظ بالشهادتين، وأخفيا حقدهم الدفين على محمد وآل محمد لأنهم قتلة الأحبة على حد تعبير هند أم معاوية، وقتلة شيوخ الوادي على حد تعبير أبي سفيان.
إلا أن معاوية أجاب محمد بن أبي بكر على رسالته قائلا:
(... ذكرت حق ابن أبي طالب، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله ونصرته له، ومواساته إياه في كل خوف وهول، واحتجاجك علي بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد إلها صرف الفضل عنك وجعله لغيرك.
وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده وأتم له ما وعده...
فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم، فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم فبايع وسلم لهما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما...)(92).
وقد أشار الطبري إلى الرسالتين المتبادلتين بين محمد ومعاوية إلا أنه لم يفصل قائلا: (كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة)(93).
وامتنع ابن الأثير عن ذكرها لنفس الحجة (لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة)(94).
فإذا كان معاوية الطليق ابن الطليق الذي قاد وأبوه الشرك والمواجهة ضد النبي طوال 21 عاما والذي قتل الإمام علي أخاه وجده وخاله وابن خاله وسادات بني أمية يرى حق ابن أبي طالب لازما له، وفضله مبرزا عليه، فالأولى بغيره أن يرى هذا الحق ويعرف هذا الفضل!!
مما يعني أن الترتيبات الإلهية التي أعلنها النبي والمتعلقة بالإمامة أو القيادة من بعد النبي، قد صارت قناعة عامة عند الناس، وقبلوا بها ولم تنزع هذه القناعة إلا بتدابير وجهود جبارة خاصة بذلها الكارهون لما رتب الله ورسوله.
خرج النبي من مكة متوجها إلى المدينة، وتبعته وفود الحجيج، وفي مكان يدعى غدير خم، أناخ النبي ركابه، وأمر برد الذين سبقوه بالسير، وباستعجال الذين تأخروا عنه، وأحيط المسلمون علما بأن الرسول سيصدر بيانه الأخير، وتلخيصه للموقف، من خلال خطبة سيلقيها أمام الجموع.
واحتشد المسلمون بالفعل في غدير خم وجاوز عددهم بأقل التقديرات مائة ألف مسلم ومسلمة، وبعد قليل ظهر النبي وإلى جانبه علي بن أبي طالب، الناس جلوس، والنبي وعلي في حالة وقوف، في مكان مكشوف ومرئي من كل الناس.
خشعت الأصوات، فلا تسمع ولا همسا، العيون معلقة بالنبي وبعلي والجميع يتساءلون، لماذا جمع رسول الله الناس؟! وأي أمر خطير يريد أن يعلنه؟ حمد رسول الله، الله وأثنى عليه ثم قال:
(كأني قد دعيت فأجبت... أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب!!...).
لقد تأكد المسلمون السامعون من أن الرسول سيموت لا محالة فتابعوا بشغف واهتمام كل كلمة كانت تخرج من فم الرسول.
ثم تابع الرسول خطبته قائلا: (وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فيه النور والهدى فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).
وفجأة سأل رسول الله الجموع المسلمة المحتشدة أمامه قائلا: (أيها الناس من وليكم؟) فردت الجموع بصوت واحد: (الله ورسوله) وهنا أخذ الرسول بيد علي فأقامه ثم قال: (من كان الله ورسوله وليه فهذا علي وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).
ومرة أخرى سأل الرسول المسلمين: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقال المسلمون: بلى! وسألهم الرسول ثانية: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ فقال المسلمون بلى، فرفع الرسول يد علي بن أبي طالب وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
ثم قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس إني وليكم، قال الناس نعم، فرفع الرسول يد علي بن أبي طالب وقال: (هذا وليي ويؤدي عني، وأنا موال من والاه، ومعاد من عاداه).
ثم أكد الرسول (صلى الله عليه وآله) الحقيقة التي اتفق عليها الجميع فقال: (إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
هذه مقاطع من خطبة الرسول في غدير خم.
1 - بعد انتهاء الرسول من إلقاء بيانه المبارك، عمم علي بن أبي طالب بما يعتم به الملائكة، كناية عن التتويج.
2 - فهم المسلمون المجتمعون مغزى رسول الله، وتلخيصه الدقيق والموفق للموقف فأيقنوا بأن رسول الله قد نصب علي بن أبي طالب وليا للأمة وإماما لها من بعده، ولم يترك رسول الله الأمر عند هذا الحد، بل أمر الإمام عليا أن يجلس في مكان خصصه له، وطلب من المهاجرين والأنصار ومن كافة المجتمعين أن يذهبوا إلى الإمام فيبايعوه، ويقدموا له التهاني بهذا المنصب، وأخذ المسلمون يتدافعون لمبايعة الإمام الجديد وتقديم التهاني له، وكان من جملة الذين بايعوا وقدموا التهاني عمر بن الخطاب، فبايعه وهنأه قائلا: (بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ومسلمة)(77) أو قال: (هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة)(78) ومن الطبيعي أن أبا بكر وعثمان وكبار الصحابة والمهاجرين والأنصار قد بايعوا جميعا، وقدموا تهانيهم للإمام، ومن الطبيعي أن يبايع كافة الحاضرين وأن يقدموا تهانيهم للإمام، لأن رسول الله قد أمر الجميع بذلك.
بعد أن انتهت مراسم تنصيب وتتويج من سيخلف رسول الله، هبط جبريل ومعه آية الإكمال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي...) (79) وصار يوم الغدير عيدا.
بعد ذلك عاد رسول الله ومعه حجاج المدينة وما حولها إلى المدينة، أما بقية وفود الحجيج فقد التحقت بأماكن سكناها، والجميع على بينة من الأمر.
النجاح النبوي الساحق بإبراز من سيخلفه
في الوقت نفسه الذي كان فيه رسول الله يركز على حقيقة وطبيعة المكانة الخاصة المميزة التي اختارها الله لأهل بيته، كان النبي يسلط أضواء ربانية قال السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم...) أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري، هبط جبريل بهذه الآية لما نصب رسول الله عليا يوم غدير خم، ونادى له بالولاية. وقال: وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر مثل ذلك عن أبي هريرة، قال الخطيب البغدادي في ج 8 ص 290 نزلت هذه الآية في غدير خم بعد المناداة بعلي وليا، راجع تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة الإمام علي ج 2 ص 75، وشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج 1 ص 57، والدر المنثور للسيوطي ج 2 ص 259، والاتقان للسيوطي ج 1 ص 31، والمناقب للخوارزمي ج 1 ص 47، وينابيع المودة للقندوزي ص 115، وفرائد السمطين للحمويني ج 1 ص 72 و 74 وتاريخ اليعقوبي ج 1 ص 35، وكتاب الولاية لأبي جرير الطبري، وما نزل من القرآن في علي لأبي نعيم الاصفهاني، وكتاب الولاية لأبي سعيد السجستاني، وتاريخ ابن كثير ج 5 ص 210 وروح المعاني للآلوسي ج 6 ص 55، والبداية والنهاية لابن كثير ج 5 ص 210، وأهل بيت النبوة مجمعون على صحة ذلك كله.
خاصة على الأئمة من أهل بيت النبوة فيقدمهم من خلال تركيزه الخاص عليهم كقادة شرعيين للأمة، وقد ساق رسول الله الخطين معا، فعمم المكانة السامية لأهل بيت النبوة، وأبرز المكانة الخاصة للأئمة الأعلام منهم.
فبين أن أهل بيت النبوة هم المطهرون(80)، وهم أولوا القربى التي فرض الله مودتهم (81)، وهم الأبناء والنساء والأنفس الذين عنتهم آية المباهلة (82) وهم الأبرار الذين عنتهم آية الاطعام (83)، وهم أولوا الأمر الذين فرض الله طاعتهم (84)، وهم أهل الذكر (85)... الخ.
كان هذا يحدث في الوقت الذي كان فيه الرسول يوطد للإمام علي ويقدمه للأمة على أساس أنه الإمام الشرعي الذي سيلي رئاسة وقيادة الأمة بعد موت النبي، ويوطد للإمامين الحسن والحسين على أنهما إمامان شرعيان من بعد أبيهما.
في حفل تنصيب وتتويج الإمام علي الذي تم في غدير خم نجح الرسول الأعظم نجاحا ساحقا بالربط الوثيق بين خطي الرئاسة والمرجعية، فقد أهل بيت النبوة كأحد ثقلي الإسلام، الذي لا تستقيم أمور الدنيا والدين إلا بهما. فأكد الرسول بكل وسائل التأكيد بأن الهدى من بعد وفاته لا يدرك إلا بالتمسك بالثقلين معا، وأنه لا يمكن تجنب الضلالة من بعده إلا بالتمسك بالثقلين معا (86)، وبعد أن نجح الرسول الأعظم بغرس هذه القناعة في قلوب سامعيه عالج الخط الخاص للرئاسة والمرجعية، فقدم الإمام علي بن أبي طالب عميد أهل بيت النبوة كرئيس ومرجع عام للأمة من بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وكقائم مقامه، ومؤد عنه أحكام الدين، ثم نصبه وتوجه أمام الجميع، فبلغ بيانه المدى في هذين المجالين، وطوال الفترة التي سبقت الهجرة، والتي تلت الهجرة، والرسول يتلقى التوجيهات الإلهية للأسلوب الواجب اعتماده بتقديم أهل بيت النبوة عامة، وتقديم الأئمة الذين سيلون الأمر من بعده خاصة، حتى إذا ما اكتمل البيان النبوي المتعلق بهاتين الناحيتين أمر الله رسوله بأن ينصب أول من سيخلفه وهو الإمام علي، وأن يأخذ له البيعة أثناء حياته من المسلمين، وهكذا فعل الرسول في غدير خم، والإمام علي وأهل بيت النبوة، والخاصة من المؤمنين، كانوا يعرفون بأن الرسول قد أعلن بأن الأئمة من بعده اثنا عشر أولهم علي، وثانيهم الحسن، وثالثهم الحسين، وتسعة من ولد الحسين سماهم الرسول بأسمائهم قبل أن يلدوا (87)، ومن المحال عقلا أن يعمل الرسول مثل هذه الأعمال، أو أن يرتب مثل هذه الترتيبات الخطيرة دون موافقة وتوجيه إلهي سابق، والدال على وجود التوجيه التأكيدات الإلهية القاطعة بأن الرسول يتبع ما يوحى إليه من ربه، ثم إنه بعد أن نصب الرسول الإمام عليا وتوجه في غدير خم نزلت آية الاكمال، وهذا يعني بأن العناية الإلهية توجه وتراقب بدقة متناهية، خطوات الرسول في هذا المجال.
في هذه الحالة لم يكن بوسع عاقل، أن يعارض الرسول، بل كل عاقل يجد نفسه سائرا في أثر الرسول، ومتوصلا إلى ذات النتائج التي توصل إليها الرسول فأهل بيت النبوة هم أقرب الناس للنبي، وهم القاسم المشترك بين المسلمين بعد وفاة النبي، وهم رمز وحدة وقاعدة الأمة، ورمز استمرارية الرسول، فعندما نذكر الأمة الإسلامية، تقفز إلى ذهنك صورة بانيها رسول الله، وفي غياب الرسول تقفز إلى الذهن الصورة المتماسكة لأهل بيته، لقد عرفنا مكانة علي وهو الإمام الأول، أما الأحد عشر فكلهم من أهل بيت النبوة، وكلهم أحفاد النبي، فحكم أي واحد منهم أدعى للاستقرار والرضا والقبول من حكم أي مسلم آخر، ففي ذلك استقرار لمؤسسة الرئاسة والمرجعية، وقطع لدابر الاختلاف والتنازع على الرئاسة من بعد النبي، وهذا هو أساس سلامة أمور الدين والدنيا.
لذلك فلا تعجب من قبول المسلمين العام لهذه التدابير، وتسليمهم الفطري بوجاهتها ومنطقيتها، فالمؤمنون الصادقون كانوا على خط النبي لا يحيدون عنه قيد أنملة، والمسلمون الآخرون آمنوا بوجاهة هذه الترتيبات، حتى المسلمون الأحداث والطلقاء سلموا بمنطقية هذه الترتيبات ووجاهتها.
اعترافات الأعداء والأصدقاء بتنصيب الإمام علي وتتويجه إماما للمسلمين من بعد النبي شهادة عمر بن الخطاب واعترافاته
مع أن عمر بن الخطاب، هو الذي قاد الانقلاب على الشرعية الإلهية، ونفذ نسف كافة الترتيبات الإلهية المتعلقة بالقيادة والتي أعلنها الرسول وبينها بيانا كاملا، وعلى الرغم من أنه قد نصب أبا بكر خليفة ثم وصل إلى سدة الخلافة بعهد من الخليفة الأول إلا أنه قد صدرت منه مجموعة من الاعترافات تفيد بأن آل محمد أولى بميراثه وسلطانه، وأن علي بن أبي طالب هو الخليفة الشرعي الذي اختاره الله ونصبه رسوله، من ذلك:
1 - أن عمر بن الخطاب خاطب الأنصار في سقيفة بني ساعدة قائلا: (إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم... من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته...)(88).
أنت تلاحظ أن حجة عمر هي حجة أهل البيت وقد وظفها عمر لصالحه.
2 - وعمر يجلس على كرسي الخلافة المغتصبة قال يوما لابن عباس: (... أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان علي بن أبي طالب أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر...)(89).
3 - ثم أعلن عمر بن الخطاب الحقيقة تامة يوم صرح قائلا: (بأن الأمر كان لعلي بن أبي طالب، فزحزحوه عنه لحداثة سنة والدماء التي عليه)(90).
فهذا إقرار بأن عمر بن الخطاب يعلم علم اليقين بأن الأمر لعلي بن أبي طالب، وكيف ينسى ذلك وهو أول من بايع الإمام وهنأه في غدير خم!!
قال الحسن بن علي يوما لعمر بن الخطاب: (إنزل عن منبر أبي)، فقال عمر: (هذا منبر أبيك)(91).
شهادة واعتراف معاوية بن أبي سفيان
مع أن معاوية وأباه هما اللذان قادا جبهة الشرك ضد رسول الله، وقاوماه بكل أساليب المقاومة، وحارباه بكل فنون الحرب، ولم يستسلما حتى أحيط بهما فاضطرا اضطرارا للتلفظ بالشهادتين، وأخفيا حقدهم الدفين على محمد وآل محمد لأنهم قتلة الأحبة على حد تعبير هند أم معاوية، وقتلة شيوخ الوادي على حد تعبير أبي سفيان.
إلا أن معاوية أجاب محمد بن أبي بكر على رسالته قائلا:
(... ذكرت حق ابن أبي طالب، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله ونصرته له، ومواساته إياه في كل خوف وهول، واحتجاجك علي بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد إلها صرف الفضل عنك وجعله لغيرك.
وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده وأتم له ما وعده...
فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم، فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم فبايع وسلم لهما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما...)(92).
وقد أشار الطبري إلى الرسالتين المتبادلتين بين محمد ومعاوية إلا أنه لم يفصل قائلا: (كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة)(93).
وامتنع ابن الأثير عن ذكرها لنفس الحجة (لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامة)(94).
فإذا كان معاوية الطليق ابن الطليق الذي قاد وأبوه الشرك والمواجهة ضد النبي طوال 21 عاما والذي قتل الإمام علي أخاه وجده وخاله وابن خاله وسادات بني أمية يرى حق ابن أبي طالب لازما له، وفضله مبرزا عليه، فالأولى بغيره أن يرى هذا الحق ويعرف هذا الفضل!!
مما يعني أن الترتيبات الإلهية التي أعلنها النبي والمتعلقة بالإمامة أو القيادة من بعد النبي، قد صارت قناعة عامة عند الناس، وقبلوا بها ولم تنزع هذه القناعة إلا بتدابير وجهود جبارة خاصة بذلها الكارهون لما رتب الله ورسوله.