نور الولاية
April 3rd,2007, 12:05 AM
الغدير في المصادر الإسلامية:
حديث الغدير من أكثر الأحاديث تواتراً، فقد بلغ رواته من الصحابة عشرةً ومائة صحابي، وقد أحصاهم العلامة الأميني مع الكتب التي أخرجت رواياته في كتاب الغدير ج1 ص 14 إلى ص 61، ويطول بنا المقام إذا ذكرنا أسماءهم والتصنيفات التي أخرجت أحاديثهم من كتب أهل السنة.
وبلغ رواته من التابعين أربعةً وثمانين (84) راوٍ كما في الغدير ص 62 إلى ص 72، ولم يقف رواة حديث الغدير عند هذا الحد بل نُقل بالتواتر في كل طبقاته، وقد بلغ مجموع الرواة من القرن الثاني إلى القرآن الرابع عشر للهجرة 360 راوٍٍ، هذا غير آلاف الكتب السنية التي ذكرت هذا الحديث.
كيف يتسنى لهذا الكاتب بعد ذلك أن يقول هذه (الخرافة) الشيعية مع العلم بأن رواية الغدير بطرق الشيعة لا تبلغ نصف ما جاء بطرق السنة!
ولكن هذه مشكلة أنصاف المثقفين، يطلقون كلامهم من غير بحث أو دراية، فهؤلاء علماء السنة وثقاتهم من الأقدمين والمتأخرين يصرحون بصحة حديث الغدير، ومنهم على سبيل المثال.
________________________________________ الصفحة 121 ________________________________________
1) ابن حجر العسقلاني ـ شارح صحيح البخاري ـ يقول: (وأما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان)(1).
وهذا الكتاب الذي أشار إليه ابن حجر هو كتاب الولاية في رق حديث الغدير لأبي عباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني الحافظ المعروف بابن عقدة المتوفي سنة 333 وقد أكثر منه النقل ابن الأثير في أسد الغابة، وبان حجر العسقلاني، وقد ذكره العسقلاني أيضاً في كتاب (تهذيب التهذيب) ج7 ص 337 بعد ذكر حديث الغدير فقال: (صححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر).
وقد أشار لهذا المصنف في إثبات طرق حديث الغدير ابن تيمية بقوله:
(وقد صنف أبو العباس ابن عقدة مصنفاً في جمع طرقه)(2).
2) ابن الغازلي الشافعي: بعدما يذكر حديث الولاية بسنده يقول: (هذا حديث غدير خم عن رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ وقد روي حديث غدير خم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحو مائة نفس منهم العشرة ـ أي المبشرين بالجنة ـ وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي (رضي الله عنه) بهذه الفضيلة لم يشركه أحد)(3).
3) وقد أفرد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ صاحب التأريخ ـ كتاباً أخرج فيه أحاديث الغدير، وقد ذكر عنه ذلك صاحب كتاب
____________
1- فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج7 ص 61.
2- منهاج السنة ج4 ص 86.
3- مناقب أمير المؤمنين ص 26 ـ 27.
________________________________________ الصفحة 122 ________________________________________
ـ العمدة ـ بقوله: (وقد ذكر ابن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير وطرقه في خمسة وسبعين طريقاً، وأفرد له كتاباً سماه كتاب الولاية)(1).
وقد جاء في شرح ـ التحفة العلوية ـ لمحمد بن إسماعيل الأمير: (قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة من كنت مولاه: ألف محمد بن جرير فيه كتاباً، قال الذهبي ـ وقفت عليه فاندهشت لكثرة طرقه).
وذكر كتاب ابن جرير أيضاً ابن كثير في تاريخه: (وقد رأيت كتاباً جُمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين)(2).
4) وخرّج الحافظ. أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني ـ المتوفي سنة 477 ـ حديث الغدير في كتاب (الدراية في حديث الولاية) في (17) جزءاً جمع فه طرق حديث الغدير ورواه عن (120) صحابياً.
هذا وقد ذكر الأميني في الغدير ـ 26ـ عالماً من فطاحل علماء أهل السنة، أفردوا كتباً في تخريج روايات أحاديث الغدير، فضلاً عن الكتب التي ذكرت الرواية، ونختم كلامنا هنا بما قاله ابن كثير عن الجويني: (أنه كان يتعجب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر، مكتوب عليه: المجلد الثامن والعشرون من طرق (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ويتلوه المجلد التاسع والعشرون(3).
____________
1- العمدة ص 55.
2- التاريخ لابن كثير ج11 ص 147.
3- الخلاصة ج 2 ص 298.
المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع):
أما بخصوص نزول هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك..) في أمير المؤمنين، فقد صرح بذلك كثيرون منهم على سبيل المثال.
(1) السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير الآية عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بأسانيدهم عن أبي سعيد قال: (نزلت على رسول الله (ص) يوم غدير خم في علي) ونقل أيضاً عن ابن مردويه بإسناده إلى ابن مسعد قوله: (كنا نقرأ على عهد رسول الله. (يا أيها الرسول بلغ ما نزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(1).
(2) روى الواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد قال: (نزلت يوم غدير خم في علي)(2).
(3) الحافظ أبو بكر الفارسي، روى في كتابه ما نُزِّل من القرآن في أمير المؤمنين بالإسناد عن ابن عباس أن الآية نزلت في غدير خم في علي بن أبي طالب.
(4) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، بسنده عن الأعمش عن عطيه قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) يوم غدير خم(3).
(5) الحافظ ابن عساكر الشافعي، بإسناده عن أبي سعدي الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب(4).
____________
1- أسباب النزول.
2- أسباب النزول للواحدي ص 150.
3- الخصائص ص 29ـ فيما نُزل من القرآن في علي.
4- الدر المنثور ج2 ص 298.
________________________________________ الصفحة 124 ________________________________________
(6) بدر الدين بن العيني الحنفي، ذكر في عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الحسين: معناه بلغ ما أنزل من ربك في فضل علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه). فلما نزلت هذه الآية أخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
نص الخطبة:
.. وعشرات غيرهم ثبتوا نزولها في علي بن أبي طالب، نختار من بين هذه الروايات المتعددة، رواية الحافظ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
أخرج بإسناده في كتاب ـ الولاية في طريق أحاديث الغدير ـ ما نصه: (عن زيد بن أرقم قال: لما نزل النبي صلى الله وسلم بغدر خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى والحر شديد أمر بالدوحات فقممن. ونادى الصلاة جامعة. فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي. (بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)، وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي فسألت جبرائيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي واللائمين بكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني أذناً، فقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم). ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فاعلموا معاشر الناس ذلك: فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه جائز قوله، ملعون من خالقه، مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا، فإن اله مولاكم وعلي إمامكم، ثم الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة، لا حلال إلا ما أحله الله
________________________________________ الصفحة 125 ________________________________________
ورسوله وهم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم: فما من علم إلا وقد أمضاه الله فيه ونقلته إليه فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتماً على الله أن يفعل ذلك أن يعذبه عذاباً نُكراً أبد الآبدين، فهو أفضل الناس بعدي، ما نُزِّل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرائيل عن الله، فتنظر نفس ما قدمت لغد.
افهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذٌ بيده وشائل بعضده ومعلمكم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وموالاته من الله عز وجل أنزله علي ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقت أوضحت.
لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال:
معاشر الناس هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب رب. وفي رواية: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، والعن من أنكره، واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت عند تبين ذلك في علي، اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم (ع) من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، في علي نزلت سورة والعصر إن الإنسان لفي خسر.
معاشر الناس (آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن يطمس وجوهاً فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت).
النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.
________________________________________ الصفحة 126 ________________________________________
معاشر الناس: سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم، إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً فعندها يفرع لكم أيها الثقلان ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران).
لا تحتاج هذه الخطبة إلى شرح وتوضيح، فعلى العافل أن يتدبر.
فالدلالة واضحة من هذه الخطبة في وجوب اتباع الإمام علي (ع) وفيها الرد الكافي على من يقول أن المقصود من (الوالي) هو الناصر أو المحب، لأن القرائن المقامية تمنع ذلك فلا يعقل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يحتجز كل هذه الجموع الهائلة في شدة الشمس، حتى يقول لهم الرسول هذا علي فأحبوه وانصروه، أي عاقل يرتأي هذا المعنى؟ وإنه بذلك، يتهم رسول الله (ص) بالعبثية، كما أن المقال يؤكد ذلك. فقول الرسول (ص): (إن علي بن أبي طالب، أخي ووصيي، وخليفتي والإمام بعدي) وقوله (ص): (فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل أحد..).
فأمر الولاية ليست بالأمر البسيط، فالإسلام كله يتوقف عليه.
أليس الإسلام هو التسليم؟!
فالذي لا يسلم بالقيادة الإلهية ينصاع إليها في كل أوامرها، هل يحق لنا أن نسميه مسلماً؟!.
بالطبع لا. وإلا يكون في ذلك التناقض بعينه، فاتباع القيادات المزيفة والتسليم لها جعله القرآن في عداد الشرك.
قال تعالى: (.. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله..)(1) فإنهم لهم يجعلوهم أصناماً وإنما أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما احل الله فاتبعوهم، كذلك الذي يتمرد على القيادة الإلهية يُعد مشركاً لا محال.
____________
1- سورة التوبة: الآية 31.
________________________________________ الصفحة 127 ________________________________________
فالمتدبر في الآية بعين الوعي والبصيرة يكتشف ذلك جيداً، فقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك..) فإن هذه الآية من سورة المائدة وهي آخر سورة القرآن كما جاء في مستدرك الحاكم.
كما أن هذه الآية بالذات نزلت في غدير خم كما تقدم، وهي في آخر حجة لرسول الله (ص)، فيعني ذلك أن الإسلام بالمعنى الظاهري قد كان مبلغاً من صلاة وزكاة وحج وجهاد،.. إلخ.
فما هو هذا الأمر الإلهي الذي يساوي عدم تبليغه عدم تبليغ الرسالة؟!
فلا بد أن يكون جوهر الإسلام وغايته، وهو التسليم للقيادة الإلهية والانصياع لأوامرها، ومن الواضح أن هذا الأمر يشكل حالة عدم رضا من الصحابة، فالأغلبية ترفضه ولذلك قال رسول الله (ص) لجبرائيل في أحد الروايات بما معناه أني قاتلتهم ثلاثة وعشرين عاماً حتى يعترفوا بنبوتي فكيف يسلموا بإمامة علي (ع) بلحظة واحدة. ومن هنا جاء الخطاب القرآني: (والله يعصمك من الناس..).
وبعد أن بلغ الرسول (ص) هذا الأمر الذي يساوي كل الرسالة نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وقد صرح بنزول هذه الآية في علي كثير من المحدثين، وذكر منهم الأميني في كتابه الغدير ج 1 ص 230 إلى ص 237 ستة عشر مصدراً، فإتمام الدين وإكمال النعمة بولاية علي (ع)، فمن هنا يمكن أن نحتمل كل الروايات التي تقول: إن قبول الأعمال من العبد منوطة بولاية أهل البيت (ع)، لأنهم الطريق الذي أمرنا الله تعالى باتباعه، قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومودتهم لا تعني مجرد الحب لهم وإنما موالاتهم وابتاعهم وأخذ معالم الدين عنهم.
________________________________________ الصفحة 128 ________________________________________
جاء في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، قال: (إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل منه شيئاً من أعماله)(1).
وعن علي (ع) كان يقول: (لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين، رجل يزداد كل يوم إحساناً ورجل يتدارك سيئته بالتوبة! وأنى له بالتوبة؟ والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت).
وعن أنس بن مالك، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (معاشر الناس إلي إذا ذُكر آل إبراهيم (ع) تهلّلت وجوهكم وإذا ذُكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الزمان؟ فو الذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبل ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب (ع) لأكبّه الله عز وجل في النار)(2).. وغير ذلك من الروايات.
____________
1- بحار الأنوار ج 27 ص 167.
2- المصدر السابق ص 170.
حديث الغدير من أكثر الأحاديث تواتراً، فقد بلغ رواته من الصحابة عشرةً ومائة صحابي، وقد أحصاهم العلامة الأميني مع الكتب التي أخرجت رواياته في كتاب الغدير ج1 ص 14 إلى ص 61، ويطول بنا المقام إذا ذكرنا أسماءهم والتصنيفات التي أخرجت أحاديثهم من كتب أهل السنة.
وبلغ رواته من التابعين أربعةً وثمانين (84) راوٍ كما في الغدير ص 62 إلى ص 72، ولم يقف رواة حديث الغدير عند هذا الحد بل نُقل بالتواتر في كل طبقاته، وقد بلغ مجموع الرواة من القرن الثاني إلى القرآن الرابع عشر للهجرة 360 راوٍٍ، هذا غير آلاف الكتب السنية التي ذكرت هذا الحديث.
كيف يتسنى لهذا الكاتب بعد ذلك أن يقول هذه (الخرافة) الشيعية مع العلم بأن رواية الغدير بطرق الشيعة لا تبلغ نصف ما جاء بطرق السنة!
ولكن هذه مشكلة أنصاف المثقفين، يطلقون كلامهم من غير بحث أو دراية، فهؤلاء علماء السنة وثقاتهم من الأقدمين والمتأخرين يصرحون بصحة حديث الغدير، ومنهم على سبيل المثال.
________________________________________ الصفحة 121 ________________________________________
1) ابن حجر العسقلاني ـ شارح صحيح البخاري ـ يقول: (وأما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان)(1).
وهذا الكتاب الذي أشار إليه ابن حجر هو كتاب الولاية في رق حديث الغدير لأبي عباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني الحافظ المعروف بابن عقدة المتوفي سنة 333 وقد أكثر منه النقل ابن الأثير في أسد الغابة، وبان حجر العسقلاني، وقد ذكره العسقلاني أيضاً في كتاب (تهذيب التهذيب) ج7 ص 337 بعد ذكر حديث الغدير فقال: (صححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر).
وقد أشار لهذا المصنف في إثبات طرق حديث الغدير ابن تيمية بقوله:
(وقد صنف أبو العباس ابن عقدة مصنفاً في جمع طرقه)(2).
2) ابن الغازلي الشافعي: بعدما يذكر حديث الولاية بسنده يقول: (هذا حديث غدير خم عن رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ وقد روي حديث غدير خم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحو مائة نفس منهم العشرة ـ أي المبشرين بالجنة ـ وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي (رضي الله عنه) بهذه الفضيلة لم يشركه أحد)(3).
3) وقد أفرد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ صاحب التأريخ ـ كتاباً أخرج فيه أحاديث الغدير، وقد ذكر عنه ذلك صاحب كتاب
____________
1- فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج7 ص 61.
2- منهاج السنة ج4 ص 86.
3- مناقب أمير المؤمنين ص 26 ـ 27.
________________________________________ الصفحة 122 ________________________________________
ـ العمدة ـ بقوله: (وقد ذكر ابن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير وطرقه في خمسة وسبعين طريقاً، وأفرد له كتاباً سماه كتاب الولاية)(1).
وقد جاء في شرح ـ التحفة العلوية ـ لمحمد بن إسماعيل الأمير: (قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة من كنت مولاه: ألف محمد بن جرير فيه كتاباً، قال الذهبي ـ وقفت عليه فاندهشت لكثرة طرقه).
وذكر كتاب ابن جرير أيضاً ابن كثير في تاريخه: (وقد رأيت كتاباً جُمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين)(2).
4) وخرّج الحافظ. أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني ـ المتوفي سنة 477 ـ حديث الغدير في كتاب (الدراية في حديث الولاية) في (17) جزءاً جمع فه طرق حديث الغدير ورواه عن (120) صحابياً.
هذا وقد ذكر الأميني في الغدير ـ 26ـ عالماً من فطاحل علماء أهل السنة، أفردوا كتباً في تخريج روايات أحاديث الغدير، فضلاً عن الكتب التي ذكرت الرواية، ونختم كلامنا هنا بما قاله ابن كثير عن الجويني: (أنه كان يتعجب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر، مكتوب عليه: المجلد الثامن والعشرون من طرق (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ويتلوه المجلد التاسع والعشرون(3).
____________
1- العمدة ص 55.
2- التاريخ لابن كثير ج11 ص 147.
3- الخلاصة ج 2 ص 298.
المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع):
أما بخصوص نزول هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك..) في أمير المؤمنين، فقد صرح بذلك كثيرون منهم على سبيل المثال.
(1) السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير الآية عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بأسانيدهم عن أبي سعيد قال: (نزلت على رسول الله (ص) يوم غدير خم في علي) ونقل أيضاً عن ابن مردويه بإسناده إلى ابن مسعد قوله: (كنا نقرأ على عهد رسول الله. (يا أيها الرسول بلغ ما نزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(1).
(2) روى الواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد قال: (نزلت يوم غدير خم في علي)(2).
(3) الحافظ أبو بكر الفارسي، روى في كتابه ما نُزِّل من القرآن في أمير المؤمنين بالإسناد عن ابن عباس أن الآية نزلت في غدير خم في علي بن أبي طالب.
(4) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، بسنده عن الأعمش عن عطيه قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) يوم غدير خم(3).
(5) الحافظ ابن عساكر الشافعي، بإسناده عن أبي سعدي الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب(4).
____________
1- أسباب النزول.
2- أسباب النزول للواحدي ص 150.
3- الخصائص ص 29ـ فيما نُزل من القرآن في علي.
4- الدر المنثور ج2 ص 298.
________________________________________ الصفحة 124 ________________________________________
(6) بدر الدين بن العيني الحنفي، ذكر في عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الحسين: معناه بلغ ما أنزل من ربك في فضل علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه). فلما نزلت هذه الآية أخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
نص الخطبة:
.. وعشرات غيرهم ثبتوا نزولها في علي بن أبي طالب، نختار من بين هذه الروايات المتعددة، رواية الحافظ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
أخرج بإسناده في كتاب ـ الولاية في طريق أحاديث الغدير ـ ما نصه: (عن زيد بن أرقم قال: لما نزل النبي صلى الله وسلم بغدر خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى والحر شديد أمر بالدوحات فقممن. ونادى الصلاة جامعة. فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي. (بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)، وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي فسألت جبرائيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي واللائمين بكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني أذناً، فقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم). ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فاعلموا معاشر الناس ذلك: فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه جائز قوله، ملعون من خالقه، مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا، فإن اله مولاكم وعلي إمامكم، ثم الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة، لا حلال إلا ما أحله الله
________________________________________ الصفحة 125 ________________________________________
ورسوله وهم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم: فما من علم إلا وقد أمضاه الله فيه ونقلته إليه فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتماً على الله أن يفعل ذلك أن يعذبه عذاباً نُكراً أبد الآبدين، فهو أفضل الناس بعدي، ما نُزِّل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرائيل عن الله، فتنظر نفس ما قدمت لغد.
افهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذٌ بيده وشائل بعضده ومعلمكم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وموالاته من الله عز وجل أنزله علي ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقت أوضحت.
لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال:
معاشر الناس هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب رب. وفي رواية: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، والعن من أنكره، واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت عند تبين ذلك في علي، اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم (ع) من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، في علي نزلت سورة والعصر إن الإنسان لفي خسر.
معاشر الناس (آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن يطمس وجوهاً فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت).
النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.
________________________________________ الصفحة 126 ________________________________________
معاشر الناس: سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم، إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً فعندها يفرع لكم أيها الثقلان ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران).
لا تحتاج هذه الخطبة إلى شرح وتوضيح، فعلى العافل أن يتدبر.
فالدلالة واضحة من هذه الخطبة في وجوب اتباع الإمام علي (ع) وفيها الرد الكافي على من يقول أن المقصود من (الوالي) هو الناصر أو المحب، لأن القرائن المقامية تمنع ذلك فلا يعقل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يحتجز كل هذه الجموع الهائلة في شدة الشمس، حتى يقول لهم الرسول هذا علي فأحبوه وانصروه، أي عاقل يرتأي هذا المعنى؟ وإنه بذلك، يتهم رسول الله (ص) بالعبثية، كما أن المقال يؤكد ذلك. فقول الرسول (ص): (إن علي بن أبي طالب، أخي ووصيي، وخليفتي والإمام بعدي) وقوله (ص): (فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل أحد..).
فأمر الولاية ليست بالأمر البسيط، فالإسلام كله يتوقف عليه.
أليس الإسلام هو التسليم؟!
فالذي لا يسلم بالقيادة الإلهية ينصاع إليها في كل أوامرها، هل يحق لنا أن نسميه مسلماً؟!.
بالطبع لا. وإلا يكون في ذلك التناقض بعينه، فاتباع القيادات المزيفة والتسليم لها جعله القرآن في عداد الشرك.
قال تعالى: (.. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله..)(1) فإنهم لهم يجعلوهم أصناماً وإنما أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما احل الله فاتبعوهم، كذلك الذي يتمرد على القيادة الإلهية يُعد مشركاً لا محال.
____________
1- سورة التوبة: الآية 31.
________________________________________ الصفحة 127 ________________________________________
فالمتدبر في الآية بعين الوعي والبصيرة يكتشف ذلك جيداً، فقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك..) فإن هذه الآية من سورة المائدة وهي آخر سورة القرآن كما جاء في مستدرك الحاكم.
كما أن هذه الآية بالذات نزلت في غدير خم كما تقدم، وهي في آخر حجة لرسول الله (ص)، فيعني ذلك أن الإسلام بالمعنى الظاهري قد كان مبلغاً من صلاة وزكاة وحج وجهاد،.. إلخ.
فما هو هذا الأمر الإلهي الذي يساوي عدم تبليغه عدم تبليغ الرسالة؟!
فلا بد أن يكون جوهر الإسلام وغايته، وهو التسليم للقيادة الإلهية والانصياع لأوامرها، ومن الواضح أن هذا الأمر يشكل حالة عدم رضا من الصحابة، فالأغلبية ترفضه ولذلك قال رسول الله (ص) لجبرائيل في أحد الروايات بما معناه أني قاتلتهم ثلاثة وعشرين عاماً حتى يعترفوا بنبوتي فكيف يسلموا بإمامة علي (ع) بلحظة واحدة. ومن هنا جاء الخطاب القرآني: (والله يعصمك من الناس..).
وبعد أن بلغ الرسول (ص) هذا الأمر الذي يساوي كل الرسالة نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وقد صرح بنزول هذه الآية في علي كثير من المحدثين، وذكر منهم الأميني في كتابه الغدير ج 1 ص 230 إلى ص 237 ستة عشر مصدراً، فإتمام الدين وإكمال النعمة بولاية علي (ع)، فمن هنا يمكن أن نحتمل كل الروايات التي تقول: إن قبول الأعمال من العبد منوطة بولاية أهل البيت (ع)، لأنهم الطريق الذي أمرنا الله تعالى باتباعه، قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومودتهم لا تعني مجرد الحب لهم وإنما موالاتهم وابتاعهم وأخذ معالم الدين عنهم.
________________________________________ الصفحة 128 ________________________________________
جاء في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، قال: (إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل منه شيئاً من أعماله)(1).
وعن علي (ع) كان يقول: (لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين، رجل يزداد كل يوم إحساناً ورجل يتدارك سيئته بالتوبة! وأنى له بالتوبة؟ والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت).
وعن أنس بن مالك، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (معاشر الناس إلي إذا ذُكر آل إبراهيم (ع) تهلّلت وجوهكم وإذا ذُكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الزمان؟ فو الذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبل ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب (ع) لأكبّه الله عز وجل في النار)(2).. وغير ذلك من الروايات.
____________
1- بحار الأنوار ج 27 ص 167.
2- المصدر السابق ص 170.