نور الولاية
April 1st,2007, 03:18 PM
:books: الجمع بين الصلاتين
تعريف الصلاة:
لصلاة لغة: الدعاء أو الدعاء بخير.
قال الله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)(*).. أي ادع لهم.
وشرعا: هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
مشروعيتها: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب: فقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (**)..
وأما السنة: حديث معاذ بن جبل حين بعثة (ص) إلى اليمن قال له:
أخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة (1)
وأما الاجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.
الموضوع الجمع بين الصلاتين:
لا خلاف بين المسلمين قاطبة في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين فرضي الظهر والعصر كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت
____________
(*) سورة التوبة: آية 103.
(**) سورة البينة: آية 5
(1) أخرجه الصنعاني في سبل السلام: ج 2، ص 120.
________________________________________ الصفحة 104 ________________________________________
العشاء بين فرضي المغرب والعشاء واختلفوا فيما عدا ذلك فالمذاهب الأربعة ومن تبعهم اختلفوا اختلافا كبيرا في ذلك، فإليك صورة عن الخلاف المتشعب.
منهم من جوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء تقديما وتأخيرا بعذر السفر (1)
أما أبو حنيفة فمنع من ذلك وقال: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بعذر السفر بحال.
وفي قول آخر لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت واحد سوى الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء في وقت واحد بعذر السفر أو المطر تقديما أو تأخيرا (2)
أما عند المطر فقد أجاز الشافعي الجمع بين الصلاتين تقديما.
وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي: ويجوز الجمع بين الصلاتين (3).
وأحمد يوافق مالك في جواز الجمع بين العشائين فقط لعذر المطر لا بين الظهر والعصر سواء قوي المطر أو ضعف إذا كان المطر يبل الثوب ويوجد معه مشقة وكذلك يجوز للوحل وريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
وذهب جماعة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال عن ابن إسحاق المرزوي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن
____________
(1) عند مالك والشافعي وأحمد.
(2) راجع غنية المتملي: ص 244.
(3) راجع الجوهر النقي في الرد على البيهقي: 226.
________________________________________ الصفحة 105 ________________________________________
المنذر (1).
إلى غير ذلك من الأقوال بين موافق لبعض ومخالف لبعض آخر.
أما أئمة أهل البيت (ع) فقد صدر منهم كلام واحد بأن الجمع جائز بين المغرب والعشاء تقديما وتأخيرا ويجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديما وتأخيرا.
قالوا بذلك تبعا للنبي (ص) ويدل على صحة هذا القول علاوة على الأحاديث الكثيرة الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة من طرق دعاة السنة فلا بد أن يقع الاستدلال في مقامين.
المقام الأول:
الاستدلال بالآية الكريمة: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (2). ولنترك الكلام لأحد علماء السنة الأعلام وهو الفخر الرازي فخر المفسرين حيث قال: فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات. وقت الزوال ووقت المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر. فيكون هذا الوقت مشتركا بين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا. إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجب أن يكون الجمع في
____________
(1) راجع النووي لصحيح مسلم: ج 5، ص 218 و 219.
(2) سورة الإسراء: آية 78.
________________________________________ الصفحة 106 ________________________________________
السفر وعذر المطر وغيره (1).
وهذا كما ترى بعد أن اعترف بدلالة الآية وصراحتها على جواز الجمع مطلقا إلا أنه تشبث بما روي مخالفا لكتاب الله تعالى وكيف غاب عنه إنما يؤخذ بالسنة فيما إذا لم تعارض كتاب الله على أن السنة الشريفة أيضا ناطقة بصريح القول بجواز الجمع مطلقا كما سيأتيك إن شاء الله تعالى.
وقال البغوي: تأييدا لما ذكرناه عن الفخر الرازي حيث قال: حمل الدلوك على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر وغسق الليل يتناول المغرب والعشاء وقرآن الفجر هو صلاة الفجر (2).
المقام الثاني:
الاستدلال بالأحاديث الواردة عن طريق أهل السنة وإليك بعضا منها.
حديث ابن عباس قال (ص): الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (3).
حديث ابن عباس قال: صليت مع النبي (ص) ثمانيا جميعا وسبعا جميعا، قال عمرو بن دينار قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك (4).
وظن عمرو بن دينار وكذا أبي الشعثاء لا يغني من الحق شيئا حيث
____________
(1) الفخر الرازي في تفسيره الكبير: ج 21، ص 27.
(2) راجع معالم التنزيل بهامش تفسير الخازن: ج 4، ص 141.
(3) أنظر صحيح مسلم باب الجمع بين الصلاتين في الحضر: ج 1، ص 284.
(4) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: ج 1، ص 221. وابن أبي شيبة في المصنف: ج 2، ص 344. ومسلم: ج 1، ص 285.
________________________________________ الصفحة 107 ________________________________________
يقول سبحانه وتعالى (إن الظن لا يغني عن الحق شيئا) (1)
وحديث ابن عباس قال: أن رسول الله (ص) صلى بالمدينة سبعا وثمانية الظهر والعصر والمغرب والعشاء (2)
وحديث عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة قال:
فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، قال: فقال: ابن عباس أتعلمني بالسنة لا أم لك ثم قال: رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: عبد الله ابن شقيق فحاك في صدري من ذلك شئ فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته (3).
وحديث عبد الله بن شقيق العقيلي قال: رجل لابن عباس الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت، فقال ابن عباس لا أم لك. أتعلمنا بالصلاة كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله (4).
وحديث ابن عباس قال: صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا بالمدينة من غير خوف أو سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيد لم فعل ذلك فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته (5)
وحديث معاذ بن جبل قال: جمع رسول الله (ص) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال: فقلت ما حمله على ذلك فقال
____________
(1) سورة يونس: آية 36.
(2) أخرجه مسلم في الصحيح باب الجمع بين الصلاتين في الحضر: ج 1، 285.
(3) مسلم: ج 1، ص 285. أخرجه أيضا أحمد بن حنبل في مسنده: ج 1 ص 251.
(4) مصنف ابن أبي شيبة: ج 2، ص 244، ح 6. ومسلم: ج 1، ص 284.
(5) مصنف ابن أبي شيبة: ج 1، ص 244، ج 5. ومسلم: ج 1، ص 284.
________________________________________ الصفحة 108 ________________________________________
أراد أن لا يحرج أمته (1)
وحديث وكيع قال: قلت لابن عباس لم فعل ذلك قال: كيلا يحرج أمته.
وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته (2).
حديث ابن عباس أن النبي (ص) صلى بالمدينة سبعا وثمانية الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى (3)
ونقول هنا كما قلناه سابقا أن لعل وعسى ظن والظن لا يغني من الحق شيئا والحديث مطلق والتقيد تبرعي.
وحديث ابن عباس: صلى النبي (ص) سبعا جميعا وثمانيا جميعا (4)
والغريب من البخاري أنه مع وجود هذه الروايات الكثيرة في الصحاح لم يورد إلا النزر القليل مع أنه أورد هذه الأحاديث في غير موضعها اللائق.
حيث يقول شيخ الإسلام الأنصاري عند بلوغه هذا الباب من شرحه تحفة الباري فقال: (المناسب للحديث الأول باب صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء ففي التعبير بما قاله تجوز وقصور).. انتهى.
وعلى كل حال إن من أورد هذه الأحاديث وغيرها كثيرة فراجع (5).
____________
(1) مصنف ابن أبي شيبة: ج 2، ص 244، ح 2. ومسلم: ج 1، ص 284.
(2) أخرجه مسلم: ج 1، ص 284.
(3) أخرجه مسلم: ج 1، ص 285. أخرجه البخاري: باب تأخير الصلاة الظهر إلى العصر في كتاب مواقيت الصلاة: ج 1، ص 234.
(4) أخرجه البخاري: ج 1 ص 233.
(5) الهداية في تخريج أحاديث البداية: ج، ص 346 و 347. وشرح الموطأ للزرقاني: ج 1، ص 291 و 294. وسنن أبي داود: ج 1، ص 277.
________________________________________ الصفحة 109 ________________________________________
وهذه الأحاديث كلها نص في جواز الجمع مطلقا وتقيدها بما ذكر في الأقوال ما هي إلا ظنون لا تغني من الحق شيئا.
وحديث سهل بن حنيف قال: سمعت أبا إمامة يقول صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت، قال العصر وهذه صلاة رسول الله (ص) (1).
اتفاق الكتاب والسنة:
وقد اتفقت مرويات أهل البيت (ع) مع الآية الكريمة السابقة والأحاديث الشريفة المذكورة فمن راجع الأحاديث الواردة عن أهل البيت وجدها أنها تنص على ذلك، فمنها:
حديث الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: أن رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد وإقامتين.
وعنه أيضا (ع) قال: صلى رسول الله (ص) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة وصلى بهم المغرب والعشاء والآخرة قبل الشفق في غير علة في جماعة وإنما فعل رسول الله (ص) ليتسع الوقت على أمته (2)، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
تعقيب فيه تساؤلات:
التساؤل الأول:
كيف يصح الإتيان بصلاة الظهر في وقت العصر وصلاة المغرب في
____________
(1) البخاري: ج 1، ص 137.
(2) راجع وسائل الشيعة للحر العاملي: ج 5، ص 277.
________________________________________ الصفحة 110 ________________________________________
وقت العشاء وبالعكس في حين أن معنى الظهر غير معنى العصر ومعنى المغرب غير معنى العشاء. ولا بد أن تكون الصلاة في وقتها فصلاة الظهر لا تكون إلا في وقتها، وصلاة العصر لا تكون إلا في وقت العصر وهكذا المغرب والعشاء.
جواب التساؤل الأول:
نقول في الجواب عن هذا السؤال أنه ينحل إلى أمرين:
الأول: أنه لا خلاف في وجوب الاتيان بالصلاة في وقتها ولكن الخلاف في هذا الوقت متى يكون ومتى يتحقق، فتارة نقول أن وقت صلاة الظهر من الزوال إلى ساعة، وتارة نقول إلى أربع ساعات وهذا يدخل في تحديد الوقت أما كون الصلاة لا بد وأن تصلي في وقتها فهذا لا خلاف فيه.
الثاني:
أن معنى الظهر هو وقت الزوال مأخوذ من ميل الشمس نحو المغرب في وسط النهار فالزوال إذا أخذ بالمعنى الحدث المصدري فهو لحظة الزوال وهي أهل من الثانية وإذا أخذ معنى الاسم المصدري فهو مستمر إلى ما قبل الغروب.
ولا بد أن يكون المراد من الزوال:، هو الوقت الذي بعد الزوال من دون تحديد لآخره النهاري سوى ما قبل الغروب كما أن تحديده ابتداء بعد الزوال الحدث المصدري ونفس الكلام يجري في المغرب والعشاء.
علاوة على ذلك أنه ورد كما مر عليك التعليل بأنه حتى لا يشق على أمته أو حتى يوسع (ص) الوقت على أمته. فالقضية يمكن أن تكون تعبدية وتسليم لما يريده الله سبحانه وتعالى وقد فعله نبيه محمد (ص).
التساؤل الثاني:
كيف نشأ الخلاف بين الصحابة وكيف يصح أن حملناهم على الصدق
________________________________________ الصفحة 111 ________________________________________
والإخلاص والتقوى والهداية؟
جواب التساؤل الثاني:
نقول: أن النبي (ص) ملتزم بالمستحبات كالتزامه بالواجبات فلما كان يشتغل بالعبادة بين فرضي الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فبعض الصحابة يذهب لقضاء بعض شؤونه القريبة ويرجع إلى مسجد النبي (ص) فتوهم البعض أن التفريق واجب في حين من كان ملتصقا بالنبي (ص) عرف إن الفصل إنما هو للنوافل فلو لم يأت بالنوافل كما في بعض الروايات فإنه يجمع بين الصلاتين، فأمثال ابن عباس وأنس بن مالك وأهل البيت (ع) لما كانوا على مقربة قريبة من النبي (ص) عرفوا معنى التفريق الصوري وأنه لأجل النوافل فقط. ولقد أدرك الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته ذلك فقال:
الحق جواز الجمع لثبوته بالسنة والسنة مصدر تشريعي كالقرآن (1).
ومن قرأ التاريخ بإمعان عرف أن المدينة المنورة صغيرة نسبيا فبناء المنزل يقتصر فيه على ما يكفي للمنام وإيواء الضيف ولا يوجد تلك المساحات الكبيرة في المنازل ومما يدل على صغر حجم المدينة المنورة آنذاك أن المسجد النبوي كان في وسط المدينة والبقيع كان خارج المدينة في حين أن البعد بين المسجد والبقيع بضعة أمتار لا يتجاوز الخمسمائة متر في أبعد التقادير.
كما إن المدينة تشكل دائرة نصف قطرها خمسمائة متر تقريبا، وهذا القدر من المساحة يمكن الوصول إليه في وقت قصير والنبي (ص) يطيل في نوافله. كما أن من رأى بعض الآثار إلى وقت قريب يرى مدى صغر المنازل وتلاصقها.
____________
(1) الموسوعة الفقهية: ج 2، ص 351.
________________________________________ الصفحة 112 ________________________________________
الأحاديث النبوية في الجمع بين الصلاتين من معاجم السنة:
عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: وما أراد إلى ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أمته (1).
عن ابن عباس: وأزاد (في غير خوف ولا سفر) وقال مالك بعده:
(أرى ذلك كان في مطر).
أقول هذا الذي ظنه مالك تبين أنه خطأ بهذه الرواية التي فيها (في غير خوف ولا مطر) (2).
وحديث عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما عند العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وعلق الناس ينادونه: الصلاة وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة، قال: فغضب قال: أتعلمني بالسنة شهدت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله: فوجدت في نفسي من ذلك شيئا فلقيت أبا هريرة فسألته فوافق (3).
وعن جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس يقول: (ص) ثمانيا جميعا وسبعا جميعا (4)
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمع النبي (ص) بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر ولا خوف، قال: قلت يا أبا العباس ولم فعل ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته (5).
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد شاكر: ج 3، ص 292، ح 1953. والموطأ: ج 1، ص 161.
(2) وهذه الرواية رواها البخاري ورواها مسلم: ج 1، ص 284.
(3) صحيح مسلم: ج 1، ص 197. مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 1، ص 7، ح 2269.
(4) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 4، ص 154، ح 2465. ومسلم: ج 1، ص 285.
(5) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 4، 192، ح 7 255.
________________________________________ الصفحة 113 ________________________________________
وعن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (ص): أنه صلى سبعا جميعا وثمانيا جميعا (1).
تعجيل وقت الصلاة:
تعجيل وقت الصلاة في أول وقتها مستحب بلا إشكال بل هو مجمع على استحبابه عند علماء الشيعة ومتفق عليه عند علماء السنة كما يظهر من ملازمتهم لفعل الصلوات في أول الوقت ولكن التعجيل ليس مستحبا مطلقا عند أئمة مذاهبهم، فإن لهم في استحبابه تفصيلا ذكره عنهم صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 1: ص 159 إلى 162.
فالصلاة عندهم قد يستحب تأخيرها لعوارض ومزاحمات لفضيلة الوقت كالإبراد بالصلاة في وقت شدة الحر وإنتظار جماعة وغير ذلك.
فاستحباب التعجيل بالصلاة مراعاة لفضيلة أول الوقت مما لا إشكال فيه وقد يدل عليه مضافا إلى ما ذكرنا من الاجماع. آية المسارعة إلى المغفرة والخير. وروايات كثيرة وردت من طرق أهل البيت (ع).
عن أبي جعفر الباقر (ع): وقد سئل عن الفضل من الوقت أوله أم وسطه أو آخره. فقال (ع): أوله أن رسول الله (ص) قال: إن الله عز وجل يحب من الخير ما يعجل.
وعنه أيضا (ع) قال: إعلم أن أول الوقت أبدا أفضل فعجل الخير ما استطعت.
وعنه أيضا قال: أحب الوقت إلى الله عز وجل أوله حين يدخل وقت الصلاة فصل الفريضة فإن لم تفعل فإنك في وقت منها - الظهر والعصر - حتى تغيب الشمس. (أخرج هذه الروايات العاملي في كتابه الوسائل: كتاب الصلاة، باب المواقيت).
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 4، ص 210، ح 2582.
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أفضلية أول الوقت فيكون التعجيل مستحبا لإدراك فضيلة الوقت..
يقول الإمام الرضا (ع) قال: يا فلان إذا دخل الوقت عليك فصلها فإنك لا تدري ما يكون. (أخرجه صاحب الوسائل: كتاب الصلاة، باب المواقيت).
التفريق في الصلاة:
وأما التفريق في الصلاة أو التأخير فهو مستحب للأحاديث الدالة على أن النبي (ص) صلى الظهر والظل ذراع أو على قدمين من زوال الشمس، وصلى العصر والظل على أربعة أقدام وعلى ذراعين من زوالها (1).
فإنها تدل على أن الذراع آخر وقت فضيلة الظهر والذراعين آخر وقت فضيلة العصر.
وأما تأخير الظهر إلى مثل ظل الشئ والعصر إلى مثليه فلا يدل على أنها آخر وقت الفضيلة لها ولا على ابتداء وقت فضيلة العصر بالمثل وما بعده.
لأن تحديد وقت الفضيلة ابتداء وانتهاء بالمثل والمثلين مع تحديده كذلك بالقدمين والذراع والذراعين والأربعة أقدام غير ممكن، فالتحديدان متعارضان والتحديد الأقل يؤخذ به لأنه القدر المتيقن الذي اتفقت عليه جميع الأدلة.
ويمكن رفع التعارض بحمل أخبار المثل والمثلين على أنها واردة.
لبيان استحباب التأخير إليها لأجل الإبراد بالظهر والعصر في أمكان شدة الحر ويؤيد الحمل على ذلك وعدم ورودها لبيان فضيلة وقت المثل والمثلين حديث الإمام الصادق (ع) قال: العصر على ذراعين فمن تركها حتى تصير ستة أقدام فذلك المضيع (2).
____________
(1) أخرجة البخاري: ج 1، ص 200، ح 516. وما بعده وفي مسلم: رقم الحديث 461.
(2) الوسائل كتاب الصلاة: أبواب المواقيت، الباب التاسع.
________________________________________ الصفحة 115 ________________________________________
فالوقت الذي إذا أخرت إليه يكون فعلها فيه تضييعا لها لا ينتظم مع دعوى كون وقت الفضيلة لها.
ولحديث أمير المؤمنين (ع) إلى محمد ابن أبي بكر: صلي الصلاة لوقتها الموقت لها - ولا تعجل وقتها لفراغ ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال، واعلم أن كل شئ عن عملك تبع لصلاتك (1).
فالتفريق أو التأخير الذي فيه الفضل والاستحباب هو تأخر العصر إلى أن يصير ظل الشئ ذراعا وهو ابتداء فضيلتها وينتهي وقت فضيلتها بصيرورة الظل ذراعين (2) وقد أفرد في هذا المسألة عدة كتب ورسائل منها:
ما ألف في الجمع بين الصلاتين(*)
1 - إباحة الجمع بين الفريضتين سفرا وحضرا والاحتجاج عليها بالأحاديث المروية في الصحاح الستة (صحيح الخبر في الجمع بين الصلاتين في الحضر):
السيد أبو محمد الحسن بن هادي بن محمد علي بن صالح بن شرف الدين الصدر العاملي الكاظمي ت 1354 ه، توجد بخطة في خزانة كتبه الذريعة 1 / 54 رقم 277، بغية الراغبين 1 / 317.
2 - الجمع بين الصلاتين:
الشيخ أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي التميمي
____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 266 و 466.
(2) راجع البخاري: ج 1، ص 215، ح 574 و ح 737.
(*) عن كتاب معجم ما ألف في المسائل الخلافية للأستاذ عبد الله عدنان المنتفكي.
________________________________________ الصفحة 116 ________________________________________
الكوفي السمرقندي. الذريعة 1 / 54 رقم 277.
3 - رسالة في الجمع بين الصلاتين:
السيد حسين بن محمود بن إبراهيم بن يوسف بن مكي المنتهي نسبة إلى عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام السجاد الحسني العاملي 1326 - 1397 هـ . قدم له الشيخ سليمان بن مصطفى اليحفوفي. ط 2 بيروت الناشر اليحفوفي ص 63 ق 21 * 14.
4 - رسالة في حواز الجمع في الفرائض بدون سفر ولا مطر:
السيد جواد بن حسين بن حيدر بن مرتضى بن محمد بن حيدر بن محمد بن مرتضى الحسيني العيثاوي العاملي 1850 - 1922 م 1341 هـ . أعيان الشيعة 4 / 266، شعراء الغري 2 / 170، داغر 3 / 2 1180.
5 - الرسالة المفيدة في الجمع بين الصلاتين:
الحسن بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن 1093 - 1160 ه نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم 84 مجاميع عدد الأوراق 42 - 56. وأخرى مخطوطة بجامع المكتبة الغربية برقم 294، مجاميع، مصادر يمنية 255.
6 - السجود على التربة والجمع بين الصلاتين:
السيد محمد إبراهيم بن محمد كاظم بن محمد إبراهيم بن هاشم بن محمد علي الموحد القزويني المعاصر. ط 1 بيروت مؤسسة الوفاء، ط 1 بدون مكان 1993 ص 66 ق 17 * 12.
7 - شمس المشرقين والمغربين في دليل الجمع بين الصلاتين:
يحيى بن عبد الله بن زيد بن عثمان الوزير ت 1250 هـ . نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم 661 عدد الأوراق 101 - 113.
8 - النور الساطع في نفي الحرج عن الجامع (في الجمع بين الصلاتين):
يحيى بن أحمد عواض الأسدي الشاطبي. نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم 58 مجاميع، عدد الأوراق 221 - 225.
________________________________________ الصفحة 117 ________________________________________
تعريف الصلاة:
لصلاة لغة: الدعاء أو الدعاء بخير.
قال الله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)(*).. أي ادع لهم.
وشرعا: هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
مشروعيتها: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب: فقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (**)..
وأما السنة: حديث معاذ بن جبل حين بعثة (ص) إلى اليمن قال له:
أخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة (1)
وأما الاجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.
الموضوع الجمع بين الصلاتين:
لا خلاف بين المسلمين قاطبة في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين فرضي الظهر والعصر كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت
____________
(*) سورة التوبة: آية 103.
(**) سورة البينة: آية 5
(1) أخرجه الصنعاني في سبل السلام: ج 2، ص 120.
________________________________________ الصفحة 104 ________________________________________
العشاء بين فرضي المغرب والعشاء واختلفوا فيما عدا ذلك فالمذاهب الأربعة ومن تبعهم اختلفوا اختلافا كبيرا في ذلك، فإليك صورة عن الخلاف المتشعب.
منهم من جوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء تقديما وتأخيرا بعذر السفر (1)
أما أبو حنيفة فمنع من ذلك وقال: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بعذر السفر بحال.
وفي قول آخر لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت واحد سوى الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعشاء في وقت واحد بعذر السفر أو المطر تقديما أو تأخيرا (2)
أما عند المطر فقد أجاز الشافعي الجمع بين الصلاتين تقديما.
وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي: ويجوز الجمع بين الصلاتين (3).
وأحمد يوافق مالك في جواز الجمع بين العشائين فقط لعذر المطر لا بين الظهر والعصر سواء قوي المطر أو ضعف إذا كان المطر يبل الثوب ويوجد معه مشقة وكذلك يجوز للوحل وريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
وذهب جماعة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال عن ابن إسحاق المرزوي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن
____________
(1) عند مالك والشافعي وأحمد.
(2) راجع غنية المتملي: ص 244.
(3) راجع الجوهر النقي في الرد على البيهقي: 226.
________________________________________ الصفحة 105 ________________________________________
المنذر (1).
إلى غير ذلك من الأقوال بين موافق لبعض ومخالف لبعض آخر.
أما أئمة أهل البيت (ع) فقد صدر منهم كلام واحد بأن الجمع جائز بين المغرب والعشاء تقديما وتأخيرا ويجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديما وتأخيرا.
قالوا بذلك تبعا للنبي (ص) ويدل على صحة هذا القول علاوة على الأحاديث الكثيرة الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة من طرق دعاة السنة فلا بد أن يقع الاستدلال في مقامين.
المقام الأول:
الاستدلال بالآية الكريمة: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (2). ولنترك الكلام لأحد علماء السنة الأعلام وهو الفخر الرازي فخر المفسرين حيث قال: فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات. وقت الزوال ووقت المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر. فيكون هذا الوقت مشتركا بين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا. إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجب أن يكون الجمع في
____________
(1) راجع النووي لصحيح مسلم: ج 5، ص 218 و 219.
(2) سورة الإسراء: آية 78.
________________________________________ الصفحة 106 ________________________________________
السفر وعذر المطر وغيره (1).
وهذا كما ترى بعد أن اعترف بدلالة الآية وصراحتها على جواز الجمع مطلقا إلا أنه تشبث بما روي مخالفا لكتاب الله تعالى وكيف غاب عنه إنما يؤخذ بالسنة فيما إذا لم تعارض كتاب الله على أن السنة الشريفة أيضا ناطقة بصريح القول بجواز الجمع مطلقا كما سيأتيك إن شاء الله تعالى.
وقال البغوي: تأييدا لما ذكرناه عن الفخر الرازي حيث قال: حمل الدلوك على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر وغسق الليل يتناول المغرب والعشاء وقرآن الفجر هو صلاة الفجر (2).
المقام الثاني:
الاستدلال بالأحاديث الواردة عن طريق أهل السنة وإليك بعضا منها.
حديث ابن عباس قال (ص): الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (3).
حديث ابن عباس قال: صليت مع النبي (ص) ثمانيا جميعا وسبعا جميعا، قال عمرو بن دينار قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك (4).
وظن عمرو بن دينار وكذا أبي الشعثاء لا يغني من الحق شيئا حيث
____________
(1) الفخر الرازي في تفسيره الكبير: ج 21، ص 27.
(2) راجع معالم التنزيل بهامش تفسير الخازن: ج 4، ص 141.
(3) أنظر صحيح مسلم باب الجمع بين الصلاتين في الحضر: ج 1، ص 284.
(4) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: ج 1، ص 221. وابن أبي شيبة في المصنف: ج 2، ص 344. ومسلم: ج 1، ص 285.
________________________________________ الصفحة 107 ________________________________________
يقول سبحانه وتعالى (إن الظن لا يغني عن الحق شيئا) (1)
وحديث ابن عباس قال: أن رسول الله (ص) صلى بالمدينة سبعا وثمانية الظهر والعصر والمغرب والعشاء (2)
وحديث عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة قال:
فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، قال: فقال: ابن عباس أتعلمني بالسنة لا أم لك ثم قال: رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: عبد الله ابن شقيق فحاك في صدري من ذلك شئ فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته (3).
وحديث عبد الله بن شقيق العقيلي قال: رجل لابن عباس الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت، فقال ابن عباس لا أم لك. أتعلمنا بالصلاة كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله (4).
وحديث ابن عباس قال: صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا بالمدينة من غير خوف أو سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيد لم فعل ذلك فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته (5)
وحديث معاذ بن جبل قال: جمع رسول الله (ص) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال: فقلت ما حمله على ذلك فقال
____________
(1) سورة يونس: آية 36.
(2) أخرجه مسلم في الصحيح باب الجمع بين الصلاتين في الحضر: ج 1، 285.
(3) مسلم: ج 1، ص 285. أخرجه أيضا أحمد بن حنبل في مسنده: ج 1 ص 251.
(4) مصنف ابن أبي شيبة: ج 2، ص 244، ح 6. ومسلم: ج 1، ص 284.
(5) مصنف ابن أبي شيبة: ج 1، ص 244، ج 5. ومسلم: ج 1، ص 284.
________________________________________ الصفحة 108 ________________________________________
أراد أن لا يحرج أمته (1)
وحديث وكيع قال: قلت لابن عباس لم فعل ذلك قال: كيلا يحرج أمته.
وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته (2).
حديث ابن عباس أن النبي (ص) صلى بالمدينة سبعا وثمانية الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى (3)
ونقول هنا كما قلناه سابقا أن لعل وعسى ظن والظن لا يغني من الحق شيئا والحديث مطلق والتقيد تبرعي.
وحديث ابن عباس: صلى النبي (ص) سبعا جميعا وثمانيا جميعا (4)
والغريب من البخاري أنه مع وجود هذه الروايات الكثيرة في الصحاح لم يورد إلا النزر القليل مع أنه أورد هذه الأحاديث في غير موضعها اللائق.
حيث يقول شيخ الإسلام الأنصاري عند بلوغه هذا الباب من شرحه تحفة الباري فقال: (المناسب للحديث الأول باب صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء ففي التعبير بما قاله تجوز وقصور).. انتهى.
وعلى كل حال إن من أورد هذه الأحاديث وغيرها كثيرة فراجع (5).
____________
(1) مصنف ابن أبي شيبة: ج 2، ص 244، ح 2. ومسلم: ج 1، ص 284.
(2) أخرجه مسلم: ج 1، ص 284.
(3) أخرجه مسلم: ج 1، ص 285. أخرجه البخاري: باب تأخير الصلاة الظهر إلى العصر في كتاب مواقيت الصلاة: ج 1، ص 234.
(4) أخرجه البخاري: ج 1 ص 233.
(5) الهداية في تخريج أحاديث البداية: ج، ص 346 و 347. وشرح الموطأ للزرقاني: ج 1، ص 291 و 294. وسنن أبي داود: ج 1، ص 277.
________________________________________ الصفحة 109 ________________________________________
وهذه الأحاديث كلها نص في جواز الجمع مطلقا وتقيدها بما ذكر في الأقوال ما هي إلا ظنون لا تغني من الحق شيئا.
وحديث سهل بن حنيف قال: سمعت أبا إمامة يقول صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صليت، قال العصر وهذه صلاة رسول الله (ص) (1).
اتفاق الكتاب والسنة:
وقد اتفقت مرويات أهل البيت (ع) مع الآية الكريمة السابقة والأحاديث الشريفة المذكورة فمن راجع الأحاديث الواردة عن أهل البيت وجدها أنها تنص على ذلك، فمنها:
حديث الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قال: أن رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد وإقامتين.
وعنه أيضا (ع) قال: صلى رسول الله (ص) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة وصلى بهم المغرب والعشاء والآخرة قبل الشفق في غير علة في جماعة وإنما فعل رسول الله (ص) ليتسع الوقت على أمته (2)، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
تعقيب فيه تساؤلات:
التساؤل الأول:
كيف يصح الإتيان بصلاة الظهر في وقت العصر وصلاة المغرب في
____________
(1) البخاري: ج 1، ص 137.
(2) راجع وسائل الشيعة للحر العاملي: ج 5، ص 277.
________________________________________ الصفحة 110 ________________________________________
وقت العشاء وبالعكس في حين أن معنى الظهر غير معنى العصر ومعنى المغرب غير معنى العشاء. ولا بد أن تكون الصلاة في وقتها فصلاة الظهر لا تكون إلا في وقتها، وصلاة العصر لا تكون إلا في وقت العصر وهكذا المغرب والعشاء.
جواب التساؤل الأول:
نقول في الجواب عن هذا السؤال أنه ينحل إلى أمرين:
الأول: أنه لا خلاف في وجوب الاتيان بالصلاة في وقتها ولكن الخلاف في هذا الوقت متى يكون ومتى يتحقق، فتارة نقول أن وقت صلاة الظهر من الزوال إلى ساعة، وتارة نقول إلى أربع ساعات وهذا يدخل في تحديد الوقت أما كون الصلاة لا بد وأن تصلي في وقتها فهذا لا خلاف فيه.
الثاني:
أن معنى الظهر هو وقت الزوال مأخوذ من ميل الشمس نحو المغرب في وسط النهار فالزوال إذا أخذ بالمعنى الحدث المصدري فهو لحظة الزوال وهي أهل من الثانية وإذا أخذ معنى الاسم المصدري فهو مستمر إلى ما قبل الغروب.
ولا بد أن يكون المراد من الزوال:، هو الوقت الذي بعد الزوال من دون تحديد لآخره النهاري سوى ما قبل الغروب كما أن تحديده ابتداء بعد الزوال الحدث المصدري ونفس الكلام يجري في المغرب والعشاء.
علاوة على ذلك أنه ورد كما مر عليك التعليل بأنه حتى لا يشق على أمته أو حتى يوسع (ص) الوقت على أمته. فالقضية يمكن أن تكون تعبدية وتسليم لما يريده الله سبحانه وتعالى وقد فعله نبيه محمد (ص).
التساؤل الثاني:
كيف نشأ الخلاف بين الصحابة وكيف يصح أن حملناهم على الصدق
________________________________________ الصفحة 111 ________________________________________
والإخلاص والتقوى والهداية؟
جواب التساؤل الثاني:
نقول: أن النبي (ص) ملتزم بالمستحبات كالتزامه بالواجبات فلما كان يشتغل بالعبادة بين فرضي الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فبعض الصحابة يذهب لقضاء بعض شؤونه القريبة ويرجع إلى مسجد النبي (ص) فتوهم البعض أن التفريق واجب في حين من كان ملتصقا بالنبي (ص) عرف إن الفصل إنما هو للنوافل فلو لم يأت بالنوافل كما في بعض الروايات فإنه يجمع بين الصلاتين، فأمثال ابن عباس وأنس بن مالك وأهل البيت (ع) لما كانوا على مقربة قريبة من النبي (ص) عرفوا معنى التفريق الصوري وأنه لأجل النوافل فقط. ولقد أدرك الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته ذلك فقال:
الحق جواز الجمع لثبوته بالسنة والسنة مصدر تشريعي كالقرآن (1).
ومن قرأ التاريخ بإمعان عرف أن المدينة المنورة صغيرة نسبيا فبناء المنزل يقتصر فيه على ما يكفي للمنام وإيواء الضيف ولا يوجد تلك المساحات الكبيرة في المنازل ومما يدل على صغر حجم المدينة المنورة آنذاك أن المسجد النبوي كان في وسط المدينة والبقيع كان خارج المدينة في حين أن البعد بين المسجد والبقيع بضعة أمتار لا يتجاوز الخمسمائة متر في أبعد التقادير.
كما إن المدينة تشكل دائرة نصف قطرها خمسمائة متر تقريبا، وهذا القدر من المساحة يمكن الوصول إليه في وقت قصير والنبي (ص) يطيل في نوافله. كما أن من رأى بعض الآثار إلى وقت قريب يرى مدى صغر المنازل وتلاصقها.
____________
(1) الموسوعة الفقهية: ج 2، ص 351.
________________________________________ الصفحة 112 ________________________________________
الأحاديث النبوية في الجمع بين الصلاتين من معاجم السنة:
عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: وما أراد إلى ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أمته (1).
عن ابن عباس: وأزاد (في غير خوف ولا سفر) وقال مالك بعده:
(أرى ذلك كان في مطر).
أقول هذا الذي ظنه مالك تبين أنه خطأ بهذه الرواية التي فيها (في غير خوف ولا مطر) (2).
وحديث عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما عند العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وعلق الناس ينادونه: الصلاة وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة، قال: فغضب قال: أتعلمني بالسنة شهدت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله: فوجدت في نفسي من ذلك شيئا فلقيت أبا هريرة فسألته فوافق (3).
وعن جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس يقول: (ص) ثمانيا جميعا وسبعا جميعا (4)
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جمع النبي (ص) بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر ولا خوف، قال: قلت يا أبا العباس ولم فعل ذلك، قال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته (5).
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد شاكر: ج 3، ص 292، ح 1953. والموطأ: ج 1، ص 161.
(2) وهذه الرواية رواها البخاري ورواها مسلم: ج 1، ص 284.
(3) صحيح مسلم: ج 1، ص 197. مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 1، ص 7، ح 2269.
(4) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 4، ص 154، ح 2465. ومسلم: ج 1، ص 285.
(5) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 4، 192، ح 7 255.
________________________________________ الصفحة 113 ________________________________________
وعن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (ص): أنه صلى سبعا جميعا وثمانيا جميعا (1).
تعجيل وقت الصلاة:
تعجيل وقت الصلاة في أول وقتها مستحب بلا إشكال بل هو مجمع على استحبابه عند علماء الشيعة ومتفق عليه عند علماء السنة كما يظهر من ملازمتهم لفعل الصلوات في أول الوقت ولكن التعجيل ليس مستحبا مطلقا عند أئمة مذاهبهم، فإن لهم في استحبابه تفصيلا ذكره عنهم صاحب كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 1: ص 159 إلى 162.
فالصلاة عندهم قد يستحب تأخيرها لعوارض ومزاحمات لفضيلة الوقت كالإبراد بالصلاة في وقت شدة الحر وإنتظار جماعة وغير ذلك.
فاستحباب التعجيل بالصلاة مراعاة لفضيلة أول الوقت مما لا إشكال فيه وقد يدل عليه مضافا إلى ما ذكرنا من الاجماع. آية المسارعة إلى المغفرة والخير. وروايات كثيرة وردت من طرق أهل البيت (ع).
عن أبي جعفر الباقر (ع): وقد سئل عن الفضل من الوقت أوله أم وسطه أو آخره. فقال (ع): أوله أن رسول الله (ص) قال: إن الله عز وجل يحب من الخير ما يعجل.
وعنه أيضا (ع) قال: إعلم أن أول الوقت أبدا أفضل فعجل الخير ما استطعت.
وعنه أيضا قال: أحب الوقت إلى الله عز وجل أوله حين يدخل وقت الصلاة فصل الفريضة فإن لم تفعل فإنك في وقت منها - الظهر والعصر - حتى تغيب الشمس. (أخرج هذه الروايات العاملي في كتابه الوسائل: كتاب الصلاة، باب المواقيت).
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل شرح أحمد محمد شاكر: ج 4، ص 210، ح 2582.
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أفضلية أول الوقت فيكون التعجيل مستحبا لإدراك فضيلة الوقت..
يقول الإمام الرضا (ع) قال: يا فلان إذا دخل الوقت عليك فصلها فإنك لا تدري ما يكون. (أخرجه صاحب الوسائل: كتاب الصلاة، باب المواقيت).
التفريق في الصلاة:
وأما التفريق في الصلاة أو التأخير فهو مستحب للأحاديث الدالة على أن النبي (ص) صلى الظهر والظل ذراع أو على قدمين من زوال الشمس، وصلى العصر والظل على أربعة أقدام وعلى ذراعين من زوالها (1).
فإنها تدل على أن الذراع آخر وقت فضيلة الظهر والذراعين آخر وقت فضيلة العصر.
وأما تأخير الظهر إلى مثل ظل الشئ والعصر إلى مثليه فلا يدل على أنها آخر وقت الفضيلة لها ولا على ابتداء وقت فضيلة العصر بالمثل وما بعده.
لأن تحديد وقت الفضيلة ابتداء وانتهاء بالمثل والمثلين مع تحديده كذلك بالقدمين والذراع والذراعين والأربعة أقدام غير ممكن، فالتحديدان متعارضان والتحديد الأقل يؤخذ به لأنه القدر المتيقن الذي اتفقت عليه جميع الأدلة.
ويمكن رفع التعارض بحمل أخبار المثل والمثلين على أنها واردة.
لبيان استحباب التأخير إليها لأجل الإبراد بالظهر والعصر في أمكان شدة الحر ويؤيد الحمل على ذلك وعدم ورودها لبيان فضيلة وقت المثل والمثلين حديث الإمام الصادق (ع) قال: العصر على ذراعين فمن تركها حتى تصير ستة أقدام فذلك المضيع (2).
____________
(1) أخرجة البخاري: ج 1، ص 200، ح 516. وما بعده وفي مسلم: رقم الحديث 461.
(2) الوسائل كتاب الصلاة: أبواب المواقيت، الباب التاسع.
________________________________________ الصفحة 115 ________________________________________
فالوقت الذي إذا أخرت إليه يكون فعلها فيه تضييعا لها لا ينتظم مع دعوى كون وقت الفضيلة لها.
ولحديث أمير المؤمنين (ع) إلى محمد ابن أبي بكر: صلي الصلاة لوقتها الموقت لها - ولا تعجل وقتها لفراغ ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال، واعلم أن كل شئ عن عملك تبع لصلاتك (1).
فالتفريق أو التأخير الذي فيه الفضل والاستحباب هو تأخر العصر إلى أن يصير ظل الشئ ذراعا وهو ابتداء فضيلتها وينتهي وقت فضيلتها بصيرورة الظل ذراعين (2) وقد أفرد في هذا المسألة عدة كتب ورسائل منها:
ما ألف في الجمع بين الصلاتين(*)
1 - إباحة الجمع بين الفريضتين سفرا وحضرا والاحتجاج عليها بالأحاديث المروية في الصحاح الستة (صحيح الخبر في الجمع بين الصلاتين في الحضر):
السيد أبو محمد الحسن بن هادي بن محمد علي بن صالح بن شرف الدين الصدر العاملي الكاظمي ت 1354 ه، توجد بخطة في خزانة كتبه الذريعة 1 / 54 رقم 277، بغية الراغبين 1 / 317.
2 - الجمع بين الصلاتين:
الشيخ أبو النضر محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي التميمي
____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 266 و 466.
(2) راجع البخاري: ج 1، ص 215، ح 574 و ح 737.
(*) عن كتاب معجم ما ألف في المسائل الخلافية للأستاذ عبد الله عدنان المنتفكي.
________________________________________ الصفحة 116 ________________________________________
الكوفي السمرقندي. الذريعة 1 / 54 رقم 277.
3 - رسالة في الجمع بين الصلاتين:
السيد حسين بن محمود بن إبراهيم بن يوسف بن مكي المنتهي نسبة إلى عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام السجاد الحسني العاملي 1326 - 1397 هـ . قدم له الشيخ سليمان بن مصطفى اليحفوفي. ط 2 بيروت الناشر اليحفوفي ص 63 ق 21 * 14.
4 - رسالة في حواز الجمع في الفرائض بدون سفر ولا مطر:
السيد جواد بن حسين بن حيدر بن مرتضى بن محمد بن حيدر بن محمد بن مرتضى الحسيني العيثاوي العاملي 1850 - 1922 م 1341 هـ . أعيان الشيعة 4 / 266، شعراء الغري 2 / 170، داغر 3 / 2 1180.
5 - الرسالة المفيدة في الجمع بين الصلاتين:
الحسن بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن 1093 - 1160 ه نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم 84 مجاميع عدد الأوراق 42 - 56. وأخرى مخطوطة بجامع المكتبة الغربية برقم 294، مجاميع، مصادر يمنية 255.
6 - السجود على التربة والجمع بين الصلاتين:
السيد محمد إبراهيم بن محمد كاظم بن محمد إبراهيم بن هاشم بن محمد علي الموحد القزويني المعاصر. ط 1 بيروت مؤسسة الوفاء، ط 1 بدون مكان 1993 ص 66 ق 17 * 12.
7 - شمس المشرقين والمغربين في دليل الجمع بين الصلاتين:
يحيى بن عبد الله بن زيد بن عثمان الوزير ت 1250 هـ . نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم 661 عدد الأوراق 101 - 113.
8 - النور الساطع في نفي الحرج عن الجامع (في الجمع بين الصلاتين):
يحيى بن أحمد عواض الأسدي الشاطبي. نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم 58 مجاميع، عدد الأوراق 221 - 225.
________________________________________ الصفحة 117 ________________________________________