مكتب الشيخ النشابه
August 15th,2009, 11:15 PM
المحاضره لسماحة الشيخ عبد النبي عبد المجيد النشابه / اليلة الثانيه من شهر رمضان
أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان اللّعين الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على أشرف الخلق والأنبياء والمرسلين حبيب قلوبنا ونفوسنا النبيّ المؤيّد، والرّسول الأمجد المصطفى الأحمد أبي القاسم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وعلى آله الأطهار الميامين الأبرار (عليهم السلام
"رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي
قوله تعالى: «و إذا قرىء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون»من سورة (الأعراف: 204). الإنصات السكوت مع استماع، و قيل: هو الاستماع مع سكوت يقال: أنصت الحديث و أنصت له أي استمع ساكتا، و أنصته غيره و أنصت الرجل أي سكت، فالمعنى: استمعوا للقرآن و اسكتوا.
و الآية بحسب دلالتها عامة و إن قيل: إنها نزلت في الصلاة جماعة.
قوله تعالى: «و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول» إلى آخر الآية.
قسم الذكر إلى ما في النفس و دون الجهر من القول: ثم أمر بالقسمين، و أما الجهر من القول في الذكر فمضرب عنه لا لأنه ليس ذكرا بل لمنافاته لأدب العبودية و يدل على ذلك ما ورد: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سار بأصحابه في بعض غزواته فدخلوا واديا موحشا و الليل داج فكان ينادي بعض أصحابه بالتكبير فنهاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال: إنكم لا تدعون غائبا بعيدا.
و التضرع من الضراعة و هو التملق بنوع من الخشوع و الخضوع، و الخيفة بناء نوع من الخوف، و المراد به نوع من الخوف يناسب ساحة قدسه تعالى ففي التضرع معنى الميل إلى المتضرع إليه و الرغبة فيه و التقرب منه، و في الخيفة معنى اتقائه و الرهبة و التبعد عنه، فمقتضى توصيف الذكر بكونه عن تضرع و خيفة أن يكون بحركة باطنية إليه و منه كالذي يحب شيئا و يهابه فيدنو منه لحبه و يتبعد عنه لمهابته، و الله سبحانه و إن كان محض الخير لا شر فيه، و إنما الشر الذي يمسنا هو من قبلنا لكنه تعالى ذو الجلال و الإكرام له أسماء الجمال التي تدعوا إليه و تجذب نحوه كل شيء و له أسماء الجلال التي تقهر و تدفع عنه كل شيء فحق ذكره و هو الله له الأسماء الحسنى كلها أن يكون على ما يقتضيه مجموع أسمائه الجمالية و الجلالية، و هو أن يذكر تعالى تضرعا و خيفة، و رغبا و رهبا.
و قوله: «بالغدو و الآصال» ظاهره أنه قيد لقوله: «و دون الجهر من القول» فيكون الذكر القولي هو الموزع إلى الغدو و الآصال، و ينطبق على بعض الفرائض اليومية.
و قوله: «و لا تكن من الغافلين» تأكيد للأمر بالذكر في أول الآية و لم ينه تعالى عن أصل الغفلة، و إنما نهى عن الدخول في زمرة الغافلين، و هم الموصوفون بالغفلة الذين استقرت فيهم هذه الصفة.
و يتبين بذلك أن الذكر المطلوب المأمور به هو أن يكون الإنسان على ذكر من ربه حينا بعد حين، و يبادر إليه لو عرضت له غفلة منسية، و لا يدع الغفلة تستقر في نفسه، و في الآية التالية: دلالة على ذلك على ما سيجيء.
فمحصل الآية: الأمر بالاستمرار على ذكر الله في النفس تضرعا و خيفة حينا بعد حين، و ذكره بالقول دون الجهر بالغدو و الآصال.
قوله تعالى: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون» ظاهر السياق أنه في موضع التعليل للأمر الواقع في الآية السابقة فيكون المعنى: اذكر ربك كذا و كذا فإن الذين عند ربك كذلك أي اذكر ربك كذا لتكون من الذين عند ربك و لا تخرج من زمرتهم.
و يتبين بذلك أن المراد بقوله: «الذين عند ربك» ليس هم الملائكة فقط - على ما فسره كثير من المفسرين - إذ لا معنى لقولنا: اذكر ربك كذا لأن الملائكة يذكرونه كذلك بل مطلق المقربين عنده تعالى على ما يفيده لفظ: «عند ربك» من الحضور من غير غيبة.
و يظهر من الآية أن القرب من الله إنما هو بذكره، فبه يرتفع الحجاب بينه و بين عبده، و إلا فجميع الأشياء متساوية في النسبة إليه من غير اختلاف بينها بقرب أو بعد أو غير ذلك.
و قوله: «لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون» فيه أمور ثلاثة يتصف بها الذكر النفسي كما يتصف بها الذكر القولي فإن للنفس أن تتصف بحال عدم الاستكبار، و بحال تنزيهه تعالى، و بحال السجدة و كمال الخشوع له كما يتصف بها الذكر القولي و يعنون بها العمل الخارجي، فليس التسبيح و السجود مما يختص بالأعضاء من لسان و غيره كما يدل عليه قوله: «و إن من شيء إلا يسبح بحمده»: إسراء: 44، و قوله: «و النجم و الشجر يسجدان»: الرحمن: 6، و قوله: «و لله يسجد ما في السماوات و ما في الأرض»: النحل: 49.
و ما في الآية من توصيف القوم بعدم الاستكبار و التسبيح و السجود أخف و أهون مما يشتمل عليه قوله تعالى: «و من عنده لا يستكبرون عن عبادته و لا يستحسرون يسبحون الليل و النهار لا يفترون»: الأنبياء: 20 و قوله: «فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل و النهار و هم لا يسأمون»: حم السجدة: 38 فإن هذه الآيات ظاهرها الاستمرار الذي لا يتخلله عدم، و لا يتوسطه مناف، و الآية التي نبحث عنها لم يأمر إلا بما لا تثبت معه الغفلة في النفس كما عرفت.
فهذه الآية تأمر بمرتبة من الذكر هي دون ما تتضمنه آيات سورتي الأنبياء و حم السجدة و الله العالم.
بحث روائي
في تفسير العياشي، عن الحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عمن سمع أبا عبد الله (عليه السلام) و هو يقول: إن الله أدب رسوله فقال: يا محمد خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين قال: خذ منهم ما ظهر و ما تيسر، و العفو الوسط. و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك و تصل من قطعك، و تعطي من حرمك. ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «خذ العفو و أمر بالعرف - و أعرض عن الجاهلين». أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق أهل السنة.
و فيه، أخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لما أنزل الله «خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين» قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس. و فيه، أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت: «خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين» قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف يا رب و الغضب؟ فنزل: «و إما ينزغنك من الشيطان نزغ» الآية. أقول: و في الرواية شيء، و يمكن أن يوجه بما قدمناه في الآية.
و في تفسير القمي،: في الآية قال: إن عرض في قلبك منه شيء و وسوسة فاستعذ بالله إنه سميع عليم. و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ: «إذا مسهم طائف» بالألف. و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل: «إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا - فإذا هم مبصرون» قال: هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك، فذلك قوله: «تذكروا فإذا هم مبصرون»: أقول: و رواه العياشي عن أبي بصير، و علي بن أبي حمزة، و زيد بن أبي أسامة عنه (عليه السلام)، و لفظ الأولين: هو الرجل يهم بالذنب ثم يتذكر فيدعه، و لفظ الأخير: هو الذنب يهم به العبد فيتذكر فيدعه، و في معناه روايات أخر.
و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرأ خلفه قوم فنزلت: «و إذا قرىء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا». أقول: و في ذلك عدة روايات من طرق أهل السنة و في بعضها: أنهم كانوا يتكلمون خلفه و هم في الصلاة فنزلت، و في بعضها: أنه كان فتى من الأنصار، و في بعضها رجل.
و في المجمع، بعد ذكر القول: إن الآية نزلت في الصلاة جماعة خلف الإمام: قال: و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام). و فيه، و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة و غيرها:. أقول: و رواه العياشي عن زرارة عنه (عليه السلام)، و في آخره: و إذا قرىء عندك القرآن وجب عليك الإنصات و الاستماع. و فيه، عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يقرأ القرآن و أنا في الصلاة هل يجب على الإنصات و الاستماع؟ قال: نعم إذا قرىء القرآن وجب عليك الإنصات و الاستماع. و في تفسير العياشي، عن أبي كهمش عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قرأ ابن الكواء خلف أمير المؤمنين (عليه السلام): «لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين» فأنصت أمير المؤمنين (عليه السلام). أقول: و الروايات في غير صورة قراءة الإمام محمولة على الاستحباب و تمام البحث في الفقه.
و في الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي فقال: إنا لله و إنا إليه راجعون أتاني جبرئيل آنفا فقال: إنا لله و إنا إليه راجعون قلت: أجل فإنا لله و إنا إليه راجعون فمم ذاك يا جبرئيل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ قال: كل ذلك سيكون. قلت: و من أين ذاك و أنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلون، و أول ذلك من قبل قرائهم و أمرائهم يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، و تتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. قلت يا جبرئيل فبم يسلم من سلم منهم فقال: بالكف و الصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه و إن منعوه تركوه. و في تفسير القمي،: في معنى قوله: إن الذين عند ربك الآية، يعني الأنبياء و الرسل و الأئمة. تم و الحمد الله.
نقلا من كتاب تفسير الميزان
أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان اللّعين الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على أشرف الخلق والأنبياء والمرسلين حبيب قلوبنا ونفوسنا النبيّ المؤيّد، والرّسول الأمجد المصطفى الأحمد أبي القاسم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وعلى آله الأطهار الميامين الأبرار (عليهم السلام
"رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي
قوله تعالى: «و إذا قرىء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون»من سورة (الأعراف: 204). الإنصات السكوت مع استماع، و قيل: هو الاستماع مع سكوت يقال: أنصت الحديث و أنصت له أي استمع ساكتا، و أنصته غيره و أنصت الرجل أي سكت، فالمعنى: استمعوا للقرآن و اسكتوا.
و الآية بحسب دلالتها عامة و إن قيل: إنها نزلت في الصلاة جماعة.
قوله تعالى: «و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول» إلى آخر الآية.
قسم الذكر إلى ما في النفس و دون الجهر من القول: ثم أمر بالقسمين، و أما الجهر من القول في الذكر فمضرب عنه لا لأنه ليس ذكرا بل لمنافاته لأدب العبودية و يدل على ذلك ما ورد: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سار بأصحابه في بعض غزواته فدخلوا واديا موحشا و الليل داج فكان ينادي بعض أصحابه بالتكبير فنهاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال: إنكم لا تدعون غائبا بعيدا.
و التضرع من الضراعة و هو التملق بنوع من الخشوع و الخضوع، و الخيفة بناء نوع من الخوف، و المراد به نوع من الخوف يناسب ساحة قدسه تعالى ففي التضرع معنى الميل إلى المتضرع إليه و الرغبة فيه و التقرب منه، و في الخيفة معنى اتقائه و الرهبة و التبعد عنه، فمقتضى توصيف الذكر بكونه عن تضرع و خيفة أن يكون بحركة باطنية إليه و منه كالذي يحب شيئا و يهابه فيدنو منه لحبه و يتبعد عنه لمهابته، و الله سبحانه و إن كان محض الخير لا شر فيه، و إنما الشر الذي يمسنا هو من قبلنا لكنه تعالى ذو الجلال و الإكرام له أسماء الجمال التي تدعوا إليه و تجذب نحوه كل شيء و له أسماء الجلال التي تقهر و تدفع عنه كل شيء فحق ذكره و هو الله له الأسماء الحسنى كلها أن يكون على ما يقتضيه مجموع أسمائه الجمالية و الجلالية، و هو أن يذكر تعالى تضرعا و خيفة، و رغبا و رهبا.
و قوله: «بالغدو و الآصال» ظاهره أنه قيد لقوله: «و دون الجهر من القول» فيكون الذكر القولي هو الموزع إلى الغدو و الآصال، و ينطبق على بعض الفرائض اليومية.
و قوله: «و لا تكن من الغافلين» تأكيد للأمر بالذكر في أول الآية و لم ينه تعالى عن أصل الغفلة، و إنما نهى عن الدخول في زمرة الغافلين، و هم الموصوفون بالغفلة الذين استقرت فيهم هذه الصفة.
و يتبين بذلك أن الذكر المطلوب المأمور به هو أن يكون الإنسان على ذكر من ربه حينا بعد حين، و يبادر إليه لو عرضت له غفلة منسية، و لا يدع الغفلة تستقر في نفسه، و في الآية التالية: دلالة على ذلك على ما سيجيء.
فمحصل الآية: الأمر بالاستمرار على ذكر الله في النفس تضرعا و خيفة حينا بعد حين، و ذكره بالقول دون الجهر بالغدو و الآصال.
قوله تعالى: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون» ظاهر السياق أنه في موضع التعليل للأمر الواقع في الآية السابقة فيكون المعنى: اذكر ربك كذا و كذا فإن الذين عند ربك كذلك أي اذكر ربك كذا لتكون من الذين عند ربك و لا تخرج من زمرتهم.
و يتبين بذلك أن المراد بقوله: «الذين عند ربك» ليس هم الملائكة فقط - على ما فسره كثير من المفسرين - إذ لا معنى لقولنا: اذكر ربك كذا لأن الملائكة يذكرونه كذلك بل مطلق المقربين عنده تعالى على ما يفيده لفظ: «عند ربك» من الحضور من غير غيبة.
و يظهر من الآية أن القرب من الله إنما هو بذكره، فبه يرتفع الحجاب بينه و بين عبده، و إلا فجميع الأشياء متساوية في النسبة إليه من غير اختلاف بينها بقرب أو بعد أو غير ذلك.
و قوله: «لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون» فيه أمور ثلاثة يتصف بها الذكر النفسي كما يتصف بها الذكر القولي فإن للنفس أن تتصف بحال عدم الاستكبار، و بحال تنزيهه تعالى، و بحال السجدة و كمال الخشوع له كما يتصف بها الذكر القولي و يعنون بها العمل الخارجي، فليس التسبيح و السجود مما يختص بالأعضاء من لسان و غيره كما يدل عليه قوله: «و إن من شيء إلا يسبح بحمده»: إسراء: 44، و قوله: «و النجم و الشجر يسجدان»: الرحمن: 6، و قوله: «و لله يسجد ما في السماوات و ما في الأرض»: النحل: 49.
و ما في الآية من توصيف القوم بعدم الاستكبار و التسبيح و السجود أخف و أهون مما يشتمل عليه قوله تعالى: «و من عنده لا يستكبرون عن عبادته و لا يستحسرون يسبحون الليل و النهار لا يفترون»: الأنبياء: 20 و قوله: «فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل و النهار و هم لا يسأمون»: حم السجدة: 38 فإن هذه الآيات ظاهرها الاستمرار الذي لا يتخلله عدم، و لا يتوسطه مناف، و الآية التي نبحث عنها لم يأمر إلا بما لا تثبت معه الغفلة في النفس كما عرفت.
فهذه الآية تأمر بمرتبة من الذكر هي دون ما تتضمنه آيات سورتي الأنبياء و حم السجدة و الله العالم.
بحث روائي
في تفسير العياشي، عن الحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عمن سمع أبا عبد الله (عليه السلام) و هو يقول: إن الله أدب رسوله فقال: يا محمد خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين قال: خذ منهم ما ظهر و ما تيسر، و العفو الوسط. و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك و تصل من قطعك، و تعطي من حرمك. ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «خذ العفو و أمر بالعرف - و أعرض عن الجاهلين». أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق أهل السنة.
و فيه، أخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لما أنزل الله «خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين» قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس. و فيه، أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت: «خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين» قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف يا رب و الغضب؟ فنزل: «و إما ينزغنك من الشيطان نزغ» الآية. أقول: و في الرواية شيء، و يمكن أن يوجه بما قدمناه في الآية.
و في تفسير القمي،: في الآية قال: إن عرض في قلبك منه شيء و وسوسة فاستعذ بالله إنه سميع عليم. و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ: «إذا مسهم طائف» بالألف. و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل: «إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا - فإذا هم مبصرون» قال: هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك، فذلك قوله: «تذكروا فإذا هم مبصرون»: أقول: و رواه العياشي عن أبي بصير، و علي بن أبي حمزة، و زيد بن أبي أسامة عنه (عليه السلام)، و لفظ الأولين: هو الرجل يهم بالذنب ثم يتذكر فيدعه، و لفظ الأخير: هو الذنب يهم به العبد فيتذكر فيدعه، و في معناه روايات أخر.
و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرأ خلفه قوم فنزلت: «و إذا قرىء القرآن فاستمعوا له و أنصتوا». أقول: و في ذلك عدة روايات من طرق أهل السنة و في بعضها: أنهم كانوا يتكلمون خلفه و هم في الصلاة فنزلت، و في بعضها: أنه كان فتى من الأنصار، و في بعضها رجل.
و في المجمع، بعد ذكر القول: إن الآية نزلت في الصلاة جماعة خلف الإمام: قال: و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام). و فيه، و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة و غيرها:. أقول: و رواه العياشي عن زرارة عنه (عليه السلام)، و في آخره: و إذا قرىء عندك القرآن وجب عليك الإنصات و الاستماع. و فيه، عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يقرأ القرآن و أنا في الصلاة هل يجب على الإنصات و الاستماع؟ قال: نعم إذا قرىء القرآن وجب عليك الإنصات و الاستماع. و في تفسير العياشي، عن أبي كهمش عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قرأ ابن الكواء خلف أمير المؤمنين (عليه السلام): «لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين» فأنصت أمير المؤمنين (عليه السلام). أقول: و الروايات في غير صورة قراءة الإمام محمولة على الاستحباب و تمام البحث في الفقه.
و في الدر المنثور، أخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي فقال: إنا لله و إنا إليه راجعون أتاني جبرئيل آنفا فقال: إنا لله و إنا إليه راجعون قلت: أجل فإنا لله و إنا إليه راجعون فمم ذاك يا جبرئيل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ قال: كل ذلك سيكون. قلت: و من أين ذاك و أنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلون، و أول ذلك من قبل قرائهم و أمرائهم يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، و تتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. قلت يا جبرئيل فبم يسلم من سلم منهم فقال: بالكف و الصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه و إن منعوه تركوه. و في تفسير القمي،: في معنى قوله: إن الذين عند ربك الآية، يعني الأنبياء و الرسل و الأئمة. تم و الحمد الله.
نقلا من كتاب تفسير الميزان