المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تربية النفس والسير في طريق التكامل والرقيّ



الموزاني
July 15th,2009, 09:03 PM
لتربية النفس الإنسانية وتحفيزها نحو الرقي والكمال والسير الصالح بالصورة المنهجية العملية الصحيحة تحتاج أولاً وبصورة رئيسية إلى الإيمان بالله تعالى والاعتقاد بالمعاد والآخرة ، وبعد أن يتحقق هذا الإيمان تكون النفس مستعدة للتربية والرقي وحينئذ تحتاج إلى الأسباب والمحفزات للسير في طريق التكامل والرقي ، وفي هذا المقام نذكر بإيجاز بعض المحفزات :

الموزاني
July 15th,2009, 09:04 PM
المحفّز الأول: الهدف الأسمى
ينبغي على الإنسان المسلم اختيار الهدف المهم والأوسع والأسمى ، لأنه كلما كان الهدف ضيقاً وخفيفاً كان أقرب إلى التلاشي في ذهن صاحبه ، مما يؤدي إلى فتح باب واسع للتكالب والتزاحم للأمور التافهة وبالتالي الدخول في المحرمات الأخلاقية الشرعية0
وكلما كان الهدف أهم وأسمى ، قلّت فيه الأخطاء والقبائح بسبب ما يحصل في ذهنه من المقارنة بين هدفه المهم المنشود وبين الشهوات التافهة الرديئة ، فيلتفت إلى تفاهتها بالقياس إلى ذلك الهدف مما يؤدي إلى نظافة وسعة روحية الإنسان ، فكيف إذا كان هدفه رضا الله سبحانه وتعالى الذي لا تتناهى عظمته ولا تنقطع قدرته ولا تنتهي نعمه ، وكلما اقترب الإنسان من هذا الهدف اشتدت رغبته إليه وأحسّ بعمق أغواره وبُعد منتهاه ، وكان ذلك منعشاً لآماله ومؤثراً في اقتراب الإنسان نحو الصلاح والتكامل ، ويكـــــــــون مثـــــله الأشــــــخاص الــــــذيــن قـــــــــــال فيـــــــهم
أمير المؤمنين(u) في وصف المتقين: { كبر الخالق في أنفسهم , فصغر ما دونه في أعينهم }0
ورد عن الإمام علي (u) :{ كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه ، وكان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد}0

الموزاني
July 15th,2009, 09:07 PM
المحفز الثاني: الهم الكبير
لتربية النفس يحتاج الإنسان المسلم أن يحمل هماً كبيراً متمثلاً في أمور المسلمين جميعاً ، ومن الواضح إن حمل مثل هذا الهم ينمّي من أخلاقيات الإنسان ويوسع من الآفاق التي يحلق فيها الإنسان ويؤثر في تنمية الروح ، وبخلاف ذلك أي فيما إذا صغرت الأمور التي ينشغل بها فان مثل هذا يؤدي إلى ضيق أفق الإنسان ووقوعه في التناقضات والنزاعات التافهة وبالتالي الوقوع في المحرمات الشرعية والأخلاقية0
وقد أشار أهل البيت (عليهم السلام) إلى ذلك في موارد عديدة نذكر منها:
1- ما ورد عن أمير لمؤمنين (u) :{ من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته } 0
2- ورد عنه (u) : { رأيك لا يتسع لكل شيء ففزعه للمهم من أمورك } 0
3- ما ورد عن الإمام الصادق (u) : { باشر كبار أمورك وكل ما شق منها إلى غيرك } .
4- ما ورد عن الإمام الصادق (u) : { لا تكو نن دواراً في الأسواق ولا تلي دقائق الأشياء بنفسك فإنه لا ينبغي للمرء المسلم ذي الحسب والجود أن يلي شراء دقائق الأشياء بنفسه…} .

الموزاني
July 15th,2009, 09:08 PM
المحفز الثالث: الإيثار والتضحية
من الواضح أن الإنسان الذي يعمل في سبيل الله تعالى ويؤثر ويضحي بمصالحه الشخصية فـي سبيل راحـة الآخرين والمصالح الاجتماعية ، فبقدر ذلك تنمو روحه وتتسع آفاقه حتى يصل إلــــــى التكامل الأخلاقي ، وذلك لأنه من الأسباب الرئيسة في المشاكل الأخلاقية هو التضارب والتزاحم الموجود بين المصالح الشخصية والمصالح الاجتماعية ، وإن حب الذات هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يقدم مصالحه الشخصية على المصالح الأخرى حتى لو كان ذلك ظلماً وعدواناً على الآخرين .
وللحصول على السعادتين الدنيوية والأخروية يجب على الإنسان أن يجعل إيثاره وتضحيته للناس والمجتمع في سبيل الله تعالى أي عليه أن يقدم المصالح الإلهية على المصالح الدنيوية الزائلة. وأذكــر بــعــض إرشـادات أهــل الـبـيـت (عليهم السلام) فـي الإيـثـار والتضحية :
1- قوله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } الحشر/آية 9.
2- قوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا(*) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا } الإنسان/ آية 8-9 .
3- قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } سورة التوبة / آية 111.

4- ما وردعن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله سلم) : { طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود لم يره } .
5- ما ورد عن الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) : { من عرض له دنيا وآخرة ، فاختار الدنيا لقي الله عز وجل يوم القيامة وليست له حسنة يتقي بـــها النار، ومن اختار الآخرة وترك الدنيا رضي الله عنه وغفر له مساوئ عمله } .
6- ما ورد عن الإمام الباقر(u) : { إن لله جنة لا يدخلها إلا ثلاثة : رجل حكم على نفسه بالحق ، ورجل زار أخاه المؤمن في الله ، ورجل آثر أخاه المؤمن في الله } .

الموزاني
July 15th,2009, 09:10 PM
المحفز الرابع: محاسبة النفس ومعاقبتها
إن الإنسان له أهواء وشهوات وغرائز تدفعه إلى الانحراف عن الإسلام والأخلاق في جوانب شخصيته دون أن يشعر، وغالباً ما يكون الانحراف قليلاً في أول الأمر ثم يزداد ويتسع حتى يصل إلى الانحراف الكامل , فعليه أن يتدارك الأمر من البداية ويعالجه ويقضي على الانحراف من أساسه ، وبالتأكيد أن ذلك لا يحصل إلا بمحاسبة النفس ، ويمكن طرح عدة مستويات لمحاسبة النفس :
المستوى الأول :
الإيحاء للنفس بالخير وحثها عليه وعلى الإخلاص في النية ، وحثها على ترك الشر وتحذيرها منه ، ويكون ذلك قبل صدور الخير والشر من النفس ، وقد أشار الشارع المقدس إلى هذا المستوى من المحاسبة في عدة موارد منها :
1- قوله تعالى : { ونفس وما سواها` فألهمها فجورها وتقواها` قد أفلح من زكاها` وقد خاب من دساها } سورة الشمس/ آية 7-10 .
2- ما ورد عن الإمام الصادق (u) : { إن رجلا أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له : يا رسول الله أوصيني… فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : فإني أوصيك ، إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته ، فأن يك رشدا فأمضه ، وإن يك غيا فانته عنه } .

3- ما ورد عن الإمام الكاظم (u) : { قال أمير المؤمنين (u): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سرية ، فلـما رجعوا قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر .
قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما الجهاد الأكبر؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : جهاد النفس.
ثــم قــال (صلى الله عليه وآله وسلم) : افضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه}.
4- ما ورد عن أمير المؤمنين(u) : { ما من يوم يـمر علــى ابن آدم ، إلا قال له ذلك اليوم : أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل في خيراً ، وأعمل في خيراً ، أشهد لك به يوم القيامة ، فإنك لن تراني بعد هذا أبدا}

الموزاني
July 15th,2009, 09:12 PM
المستوى الثاني :
يتأمل الإنسان ويدقق بما صدر عنه فيلوم نفسه على أخطاءه وزلاته ويحزن ويندم لذلك ويتوب ويعاهد الله على عدم تكـــــــــرار ذلك ، وبخلاف هذا المستوى سيجد نفسه في طغيان وغفلة ساحقة ومهلكة ، وقد حث الشارع المقدس على هذا المستوى من المحاسبة كما في:
1 - ما ورد عن الإمام الصادق(u) : {…حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً،كل موقف مقام ألف سنة. (ثم تلا) ((في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة))}.
2- ما ورد عن الإمام الكاظم (u) : { ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل حسنة استزاد الله تعالى ، وان عمل سيئة استغفر الله تعالى منها وتاب إليه } .
المستوى الثالث :-
على الإنسان أن يتناول شخصيته من جميع الجوانب والتفكّر في نقاط الضعف والقوة ، والمقارنة والموازنة بين ما هو واصل إليه فعلاً من مستوى الرقي الأخلاقي والمعنوي ، وبين ما كان عليه في مرحلة سابقة كي يعرف درجة تقدمه نحو الرقي للازدياد من ذلك ، وقد أشار أهل البيت (عليهم السلام) إلى ذلك:-
1- عن أمير المؤمنين(u):{ إنما الدنيا ثلاثة أيام : يوم مضى بما فيه فليس بعائد، ويوم أنت فيه فحق عليك اغتنامه ، ويوم لا تدري أنت من أهله ولعلك راحل فيه ، أما اليوم الماضي فحكيم مؤدب ، وأما اليوم الذي أنت فيه فصديق مودع ، وأما غد فإنما في يدك منه الأمل } .
2- عن أمير المؤمنين (u) : { أيها الناس لا خير في دين لا تفقه فيه ، ولا خير في دنيا لا تدبر فيها ، ولا خير في نسك لا ورع فيه } .
3- عن أمير المؤمنين(u): { لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين : رجل يزداد كل يوماً إحساناً , ورجل

الموزاني
July 15th,2009, 09:13 PM
المستوى الرابع :-
أن يتناول الإنسان شخصيته ودرجة إيمانها وأخلاقها ويقارنها مع المثل الأعلى للإيمان والأخلاق كي يعرف الدرجة التي وصل إليها فعلا ويحث نفسه للوصول إلى درجة أعلى وأرقى ، ولكي لا يتخيل لنفسه درجة ومنزلة لم يصلها فيصيبه الغرور والكبر ، وقد أرشد الشارع المقدس إلى العديد من الدرجات والمستويات الإيمانية والأخلاقية منها:
1- ما ورد في خطبة أمير المؤمنين (u) في وصف المتقين : {فمن علامة أحدهم انك ترى له قوة في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين، وحرصا في علم ، وعلماً في حلم ، وقصداً في غنى ، وخشوعاً في عبادة ، وتجملاً في فاقة ،وصبراً في شدة ، وطلباً في حلال ، ونشاطاً في هدى ، وتحرجاً عن طمع ، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذراً ويصبح فـــــــــــــــرحاً، حذراً من الغفلة ، وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة ، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب ، قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ، تراه قريباً أمله ، قليلاً زلــله ، خاشعاً قلبه ، قانعاً نفسه ، منذوراً أكله ، سهلاً أمره ، حريزاً دينه ، ميتة شهوته ، مكظوماً غيظه ، الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون

الموزاني
July 15th,2009, 09:16 PM
المستوى الخامس :
بعد أن يثبت تقصير النفس وتكرره في المستويات السابقة أو في بعضها ، فلا يقتصر الإنسان على لومها فقط ، بل عليه أن يتبع أسلوب العقاب معها وذلك بأن يحملها أعمالاً شاقة سواء كانت الأعمال ليست حسنة بذاتها بل تكون حسنة ومرغوبة شرعاً لأنها تؤدي إلى تهذيب النفس وتنقيتها كتعريض الجسد لحرارة الشمس أو حرارة الأرض أو حرارة النار ، أم كانت الأعمال حسنة ومرغوبة شرعاً بذاتها كالصلاة والصيام والتصدق وغيرها ، وقد أشار أهل البيت (عليهم السلام) إلى ذلك في عدة أمور منها:
1. ما ورد عن ليث ابن أبي مسلم قال :[…بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، إذ جاء رجل فنزع ثيابه ، ثم جعل يتمرغ في الرمضاء ، يكوي ظهره مرة ، وبطنه مرة، وجبهته مرة ، ويقول يا نفس ذوقي ، فما عند الله أعظم مما صنعت بكِ ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر إليه ما يصنع ، ثم أن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل ثم أومأ إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده ودعاه فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) له : { يا عبد الله ، رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أحداً من الناس صنعــه ، فما حمـــــلك على ما صنـــــعت؟ } فقال الرجل: حملني على ذلك مخافة الله ، فقلت لنفسي , يا نفس ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بكِ.
فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : { لقد خفت ربك حق مخافته ، وان ربك ليباهي بك أهل السماء}
ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : { يا معشر من حضر , ادنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم } فدنوا منه ، فدعا لهم وقال : (اللهم اجمع شملنا على الهدى واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا) .
2 - ما ورد في نهج البلاغة ، أنه في محضر أمير المؤمنين(u) ، قال أحد المسلمين : أستغفر الله .
فقال (u) : { أتدري ما الاستغفار}
إن للاستغفار درجة العلّيين ، وهو اسم واقع على ستة معان
أولــــــهــــــا: الندم على ما مضى .
والثانــــــــي : العزم على ترك العود إليه أبداً.
والثـالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عز وجل أملس ليس عليك تبعة .
والـــــرابع : أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.
والخامس : أن تعمد إلى اللحم الـذي نبت علـى السحت فتذيبه بالأحزان، حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
والسادس: أن تذيق الجسد ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول (أستغفر الله)

بنت ارض النجف
July 15th,2009, 11:16 PM
احسنتم اخوي الكريم
جعله الله في ميزان حسناتك
ولا تنسانا بالدعاء