ذوالفقار العجرشي
January 20th,2009, 06:25 PM
إنّ أكثر العوامل التي أضعفت المسلمين وجعلتهم متشرذمين متباغضين هي:
عوامل سياسية افتعلت لصالح السلطان وذلك لقمع معارضيه..
وسموم شعوبية ناقمة على الإسلام..
وخلافات مذهبية ضيّقة كبّرها بعض المتعصبين..
ومكائد من أعداء الإسلام لضرب بنيانه الشامخ..
ومؤامرات غربية من خلال أعوانهم المستشرقين المعروفين بجواسيس الإستعمار...الخ.
كل هذه الأمور الطارئة والعوامل المفتعلة جعلت المسلمين طوائفاً متكاثرة وفرقاً متنافرة كل يزعم أنه المحق وغيره المبطل من دون أن ينظر أحدهم إلى ما عند الآخر ويحاول أن يتفهمّه, مع أنّ ما يجمع بينهم أكثر بكثير مما يفرّق, ولكن الجهل المطبق والتعصب الأعمى جعلهم يتمسكون بالخلافات الفرعية ليتقاتلوا من خلالها. وكان للسلطان صولته وجولته في هذا الميدان والدور البارز في تحريك هذه الحساسيات كلما سنحت له الفرصة واضطر لذلك في سبيل استقراره عرشه الملتوي, فجنّد لهذه المهمة القذرة قضاة جاهلين وشيوخاً متعصبين ضعفت نفوسهم أمام ترغيبه حيناً وترهيبه أحياناً.
وقد استغل الإستعمار البغيض هذه الخلافات الصغيرة والكتب التي خلفتها تلك العصور المظلمة وراح يتلاعب بها على هواه, ليحقق من خلالها مبتغاه فزاد الطين بلة والمريض علة, وكبّر هذه الخلافات بما يُغاير الواقع وينافيه, فتقبلها البعض بهذه الصيغة المشوهّة وراح يطعن بأخيه المسلم زوراً وبهتاناً ويحاربه ظلماً وعدواناً وبهذا يكون قد خدم الإستعمار الماكر من حيث لا يدري, ولم يتذكّر حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
" المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً".
هذا المستعمر الناقم عمل جاهداً لتوسيع رقعة الخلاف بين المسلمين وذلك بواسطة بعض المستشرقين الذين دخلوا بلادنا تحت ستار نشر العلم وترويج الثقافة, والإطلاع على الأوابد والتنقيب عن الآثار والحج إلى الأماكن المقدسة والبعض منهم ادعى اعتناقه للإسلام إيغالاً في التمويه.
ومن المستشرقين الذين كان لهم الدور البارز في مجال الدس والمكر والخديعة المستشرق الفرنسي (فانتور) الذي عرّف عنه الدكتور أحمد شاكر في كتابه المتنبي بقوله:
" إنه شيطان نابليون ومستشاره وخليله ونجيه, لا يفارقه الحل والترحال, يرسم له الطريق ويعيّن له المدى ويحدد له الهدف ويقدّم النصح والإرشاد".
وقد أغرى نابليون وزيّن له غزو الشرق ليعيد مجد أجداده ويسترد مافقدوه من الممالك والإمارات أثناء غزاة الصليب ويقيم امبراطورية شرقية دفيقة الخيرات غزيرة الموارد مترامية الأطراف. فجاء بتلك الحملة المؤلفة من 36 ألفاً من الجنود والقوّاد والأدلاء والخبراء مزوّدة بكل ما عرفه ذلك الزمن من أدوات الفتك والتدمير ولعل أفتك تلك الأسلحة -على اختلافها- وأخطرها على الأمة وتاريخها وحاضرها وتراثها ومقوماتها وخصائصها هم أولئك المستشرقون (فانتور ولفيفه) الذين رصدوا الحركات والسكنات وعيّنوا نقاط الضعف ومسارب التسلل إلى حياة مصر.
(فانتور) الذي يحمل في صدره وعلى كاهله همّ الغرب ويعتلج في قلبه كره العرب والإسلام ويختلج في صدره سميم العداء لشعوب الشرق,
(فانتور) هذا يقود بربرياً متغطرساً مستخفاً بكل القيم - وإن ظهر بزي متحضر- فيدمّر حضارة شعب, ويوقف حركة تقدّمه ويشل قوّة تطلعه ويطمح أن يوسّع دائرة امبراطوريته إلى أبعد من مصر.. إلى سوريا ولكنه يرجع ذميماً دحيراً هزيماً عن أسوار عكا.
لقد أوحى المستشرق الداهية إلى البربري المتحضر إن المسلمين في مصر يستجيبون للنزعة الدينية وينقادون للعاطفة الروحية وما عليه إلا أن يتظاهر:
1- بإعلان إسلامه.
2- بلبس العمامة.
3- بارتداء الزي المصري.
4- بالمشاركة بالأعياد الدينية.
5- بالإيمان بالقضاء والقدر.
6- بأنه جاء ينقذهم من حكم المماليك الظالمين.
وكذلك المستشرق البلجيكي (هنري لامنس) الشديد التعصب ضد الإسلام وهو راهب يسوعي يفتقر افتقاراً تاماً إلى النزاهة في البحث والأمانة في نقل النصوص وفهمها, ويُعد نموذجاً سيئاً جداً للباحثين في الإسلام من المستشرقين. خلف الأب لويس شيخوا اليسوعي في إدارة مجلتي المشرق والبشير, درج على ما درج عليه و(ليوني كاتياني) بالقول: إنّ كتب الحديث كلها موضوعة.
أمّا ما كتبه عن المسلمين العلويين (النصيريين) فقد بذل جهداً مستميتاً ليخرجهم من الإسلام إلى النصارى, كتب ما أوحى إليه ضميره وحقق به غرضه, وأدرك - على زعمه- مأربه, وبلغ به تجاهل الحقيقة, وتجاوز الواقع حداً ضاق به حتى زميله (رينو دوسو) مع أنهما كلاهما يمتحان من قليب قدر واحد ويسعيان إلى هدف واحد ويرميان إلى غاية واحدة, ففي حين يجهد (لامنس) نفسه ويكد قلمه ليقول إنّ أصل النصيريين نصارى يأتي رينيه دوسو بحكم معاكس ورأي مخالف ويعود بالنصيريين إلى أصول فينيقية.
ونحن نرى أن هذين المستشرقين وإن اختلفا حكماً وقولاً فإنهما متفقان غاية وقصداً وغايتهما واضحة وفاضحة وهي:
تزوير تاريخ فئات الإسلام شأن أكثر المستشرقين قبلهما وبعدهما.
ويأتي في المراحل الأخيرة وتحديداً بعد 1980 ثالثة الأثافي (كما يُقال):
(أبو موسى الحريري) أحد فرسان الحقيقة الصعبة فيستعرض آراء زميليه لامنس ودوسو ويفنّدها وينتفض منها ويزيد عليها ومما جاء في كتابه عن النصيريين قوله:
" في كل ما كتب لامنس عن النصيريين لا نجد أي إشارة إلى أي مرجع من مراجعهم ولم يعرف الأب لامنس - كما يبدو- أي كتاب أو أي مخطوط لهم, وهو لم يستقِ معلوماته من كتبهم بل من كتب وضعها باحثون فكان مرجعه الأساسي سليمان الآضني النصيري المرتد, ومرجعه الثاني جولاته ورحلاته في بلادهم, وإنّ كثرة المعالم - الخرائب- المسيحية في بلادهم لا يعني أن أصلهم نصارى وقد يغفل الأب لامنس بعقليته الأوروبية أمر التهجير". (سلسلة الحقيقة الصعبة).
والحريري هذا كمثل زميليه هدفاً وإن اختلف معهما شكلاً, فليس اختلافهم إلا قصداً لتوسيع دائرة الإتهام. لذلك جاء كل منهم بآرائه ليترك للقارئ الخيرة في ما يأخذ منها وما يدع, ولكن القارئ مع ذلك لا يستطيع أن ينفلت من الدائرة التي رسموها.
ومن المستشرقين أيضا المستشرق الفرنسي (ماسينيون) والذي تسلل إلى الإسلام ودرس في الأزهر ولبس العمامة والجبة إمعاناً في التضليل وستراً للمقاصد, وبث سمومه في مؤلفاته التي تناول بها هذه الطائفة المؤمنة وبرز مدافعاً عن الحلاج مدّعي الألوهية واعتبره شهيد العقيدة.
والحلاج بالنسبة للعلويين مغالي حلولي زنديق لا يُعبأ به ولا بأقواله وقد قتل صلباً جزاء على اجترائه على الله ورسوله.
إنّ إقبال الغربيين على دراسة اللغات الشرقية وتفهمها لم يكن الغرض منه مقصوراً على الإنتفاع بما خرج فيها من العلوم فحسب بل لقد طلبوا ذلك أيضاً للأغراض التجارية, وطلبوه بحفظ أعظم من هذا ليتيسّر التبشير بالمسيحية في البلاد الشرقية.
فقد قضى مجمع فينا سنة (1311م) وكان برئاسة اكلمنت الخامس أن تؤسس في باريس وأكسفورد وبولون دروس عربية وعبرانية وكلدانية لتخريج وعاظاً وأهل جدل أشدّاء لتنصير المسلمين واليهود.
وأنشأ الفرنشيسكان والدومينيكان من الرهبنات الكبرى أديارهم دروساً في هذه اللغات فأصبحت إيطاليا مهد حركة نجحت في الإستشراق, وأخذوا بنوع خاص يدرسون العبرية للتعمق في فهم أسرار التوراة وتنصير اليهود, ويدرسون اللغة العربية لتنصير المسلمين فكانت رومية أول مدينة في العالم طبع فيها كتاب عربي عقيب اختراع الطباعة وهو (قانون ابن سينا).
وفي أواسط القرن الثامن عشر لما أخذت أوروبا تتحفز لاستعمار الشرق أخذ علماؤها يبحثون في تأليف جمعيات لهذه الغاية فأنشأت منذ ذلك العهد في أوروبا وأمريكا عدّة جمعيات لهذه الغاية فأنشأت منذ ذلك العهد في أوروبا وأمريكا عدّة جمعيات للمستشرقين وأقدمها عهداً الجمعية الآسيوية في باريس التي أسست سنة (1822م) بمعرفة شيخ المستشرقين من الفرنسيين( سلفستر دي ساس) ثم أنشأت معاهد للغات الشرقية في جميع الدول تابعة هذه المعاهد لوزارة المستعمرات أو لوزارة الخارجية المشرفة على الشؤون السياسية,
فلا عجب إذا إذ رأينا المستشرقين يجهدون في تصوير الشرق بصورة بشعة قبيحة في أخلاقه وعاداته وآرائه ويتجنون على الإسلام في كتابتهم ونشر ما يدعو إلى التشكك في الدين الإسلامي وإلى تزعزع اليقين في صحّة كتابه الكريم وصدق الرسول الأمين.
فهم لا يعفون عن الإتهام فيما يكنونه ولا يترفعون عن الهوى فيما يبحثونه اللهم إلا نفر قليل منهم رزق الإنصاف أو أرغمه التاريخ على الإعتراف بفضل التاريخ الإسلامي على الإنسانية وآثار تعاليمه في إنقاذ البشرية.
فكان هؤلاء المستشرقون ضروباً ثلاثة:
- ضرب منهم لم يملك ناصية اللغة فأخطأ في نشر الكتاب وفي فهم النصوص ولكنه حفل بأمور شكلية لا فائدة لنا فيها.
- وضرب ثاني أثرت في دراساتهم مآرب السياسة والتعصب للدين فوجهوا الحقائق وفسروها بما يوافق أغراضهم أو ما يسعون إليه. ولعل هذا الضرب هو الذي دفع الشرقيين من المسلمين العرب أن يرتابوا بالمستشرقين جميعاً لأن من المؤسف أن يسخّر هؤلاء العلم الذي يسموا به الإنسان لإذلال الإنسان أو استعباده أو الإعتداء على تراثه أو الطعن على عقيدته بغير الحق.
- بقي فريق ثالث أوتي الكثير من سعة العلم والتمكن من العربية والإخلاص للبحث والتحرر والإنصاف فكانت دراستهم مثمرة وأعمالهم نافعة وبحوثهم جديرة بالتجلة والإحترام.
بيد أن للمستشرقين زلات ارتكبوا أكثرها عن عمد استجابة لنياتهم وتحقيقاً لأغراضهم ووقعوا في القليل منها عن خطأ في فهم النصوص وعجز عن الغوص إلى أعماقها والإهتداء إلى فهم أسرارها.
من زلات المستشرقين المتكررة وهفواتهم الشائعة:
تصدّيهم للروايات الضعيفة يروّجونها وللكتب التي ليست بذات ثقة في نقلها يعتمدون عليها وينقلون منها ثم يبنون على ذلك أحكامهم ويؤكدون استنباطاتهم (نقلاً عن كتاب الوحدة الإسلامية للأستاذ عبد الوهاب حمودة).
قال الأستاذ محمود العقاد في مقال له:
(فالدراسات الإسلامية التي اشتغل بها الأوروبيون في تلك الآونة إنما كانت لتحويل المفكرين منهم عن هذه الوجهة كانت للرد على الفلاسفة المسلمين وإدحاض أقوالهم, وتجديد العناية باللاتينية واليونانية بدلاً من العربية, وهذه هي مرحلة الدفاع الأولى وغايتها الكبرى أن يتخلص القوم من سيطرة الفكر العربي والدراسات العربية الإسلامية.
وبعد مرحلة الدفاع هذه بدأت مرحلة أخرى هي مرحلة الهجوم.
وكان الغرض منها استخدام المعارف الإسلامية في حركة التبشير الديني وحركة الدعوة الثقافية التي تصطبغ بصيغة التبشير, ثم اتجهت حركة الدراسة الإسلامية بعد وجهة التبشير إلى وجهة الإستعمار, ثم عرف الإستعمار مصيره بين الأمم الإسلامية).
وقال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في مقال له:
(يوجد بين المستشرقين أفراد متعصبون مضللون كما يوجد فيهم علماء طيبون منصفون. اشتغل أولئك النفر باللغة العربية لغاية الدس والتجسس وإلقاء الفتنة والشقاق بين المسلمين وللطعن في الإسلام وتشكيك الشباب في دينهم وعقائدهم كل ذلك خدمة للإستعمار والمستثمرين. ونحن لا نخشى على ديننا من مستشرق أو متحزلق بل ولا من الإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا, لأن نور الله لا يُطفأ بالأفواه والأقوال وحصنه أمنع من أن ينال منه المبطلون.
فإذا ذكرنا طرفاً من أقوالهم فإنما نذكره للتفكيه والتسلية لا للجواب والرد, وليعرف القراء مدى الجهل الذي بلغه أعداء الإسلام وأنهم إذا حاولوا الطعن فيه والتبشير ضدّه لا يجدون وسيلة إلا التحريف والتزييف وإلا الكذب والإفتراء). انتهى.
وأعقب المستشرقون مواكب (المبشرين) فأقاموا المؤسسات الثقافية من مدارس ومعاهد وجامعات ومطابع وصحف ودور نشر وشركات توزيع ومكتبات ودعاية وإعلان وترجموا الكتب ونشروا المخطوطات, وأقبل أبناء البلاد على هذه المؤسسات يعبّون من مائها ويسكرون من صهبائها ولم يدركوا ما يبيّت لهم أو يُراد منهم, وقديماً تلذذ الهر بابتلاع دمه وهو يلحس المبرد.
إن استقراء ودراسة الدور الذي لعبته وتلعبه نوادي التبشير المبثوثة في نقاط مختلفة من الأراضي الإسلامية يبيّن بوضوح البعد التقريبي التخريبي والخبيث الذي تلجأ إليه هذه النوادي في سعيها المحموم من أجل نشر وترويج أفكارها وعقائدها المنحرفة والمردودة عقلاً.
نعم إن الحوار العلمي يشكل قاعدة سليمة يمكن من خلالها الرسو على مبدأ صحيح يسلم بصوابه وأحقانيته العقلاء, بيد أن ما تلجأ إليه هذه النوادي - التي تحركها أصابع ونوايا معلومة للجميع - لا يمكن أن نصنفه ضمن هذه الإعتبارات الصحيحة لاعتمادها على أساليب الكذب والإفتراء والخداع, وهذا ما حاول ويحاول مفكرو المسلمين إيضاحه وكشف أبعاده.
ولعل الثابت والمتفق عليه ترادف إنشاء تلك النوادي مع الغزو الإستعماري الذي تقوم به الجيوش الأجنبية - المنتسبة لها تلك النوادي- لتلك الدول المبتلاة بها, من خلال انتهازها لظروف التخلف والفقر القاهرة والتي نجدها عياناً في كثير من الدول الآسيوية والأفريقية النامية.
واعتماداً على صحة هذا التصور فقد كانت العديد من الدول العربية المسلمة إبان خضوعها للإحتلال الأوروبي المقيت أرضاً مشرّعة الأبواب أمام تلك النوادي التي ألقت فيها رحالها واستقرّت.(أصل الشيعة وأصولها).
هذه العوامل العديدة وما شابهها كان لها الأثر الكبير في تقسيم المسلمين وإثارة النعرات الطائفية فيما بينهم والتي أدّت إلى إضعافهم وتفريق صفوفهم كما أسلفنا سابقاً
عوامل سياسية افتعلت لصالح السلطان وذلك لقمع معارضيه..
وسموم شعوبية ناقمة على الإسلام..
وخلافات مذهبية ضيّقة كبّرها بعض المتعصبين..
ومكائد من أعداء الإسلام لضرب بنيانه الشامخ..
ومؤامرات غربية من خلال أعوانهم المستشرقين المعروفين بجواسيس الإستعمار...الخ.
كل هذه الأمور الطارئة والعوامل المفتعلة جعلت المسلمين طوائفاً متكاثرة وفرقاً متنافرة كل يزعم أنه المحق وغيره المبطل من دون أن ينظر أحدهم إلى ما عند الآخر ويحاول أن يتفهمّه, مع أنّ ما يجمع بينهم أكثر بكثير مما يفرّق, ولكن الجهل المطبق والتعصب الأعمى جعلهم يتمسكون بالخلافات الفرعية ليتقاتلوا من خلالها. وكان للسلطان صولته وجولته في هذا الميدان والدور البارز في تحريك هذه الحساسيات كلما سنحت له الفرصة واضطر لذلك في سبيل استقراره عرشه الملتوي, فجنّد لهذه المهمة القذرة قضاة جاهلين وشيوخاً متعصبين ضعفت نفوسهم أمام ترغيبه حيناً وترهيبه أحياناً.
وقد استغل الإستعمار البغيض هذه الخلافات الصغيرة والكتب التي خلفتها تلك العصور المظلمة وراح يتلاعب بها على هواه, ليحقق من خلالها مبتغاه فزاد الطين بلة والمريض علة, وكبّر هذه الخلافات بما يُغاير الواقع وينافيه, فتقبلها البعض بهذه الصيغة المشوهّة وراح يطعن بأخيه المسلم زوراً وبهتاناً ويحاربه ظلماً وعدواناً وبهذا يكون قد خدم الإستعمار الماكر من حيث لا يدري, ولم يتذكّر حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
" المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً".
هذا المستعمر الناقم عمل جاهداً لتوسيع رقعة الخلاف بين المسلمين وذلك بواسطة بعض المستشرقين الذين دخلوا بلادنا تحت ستار نشر العلم وترويج الثقافة, والإطلاع على الأوابد والتنقيب عن الآثار والحج إلى الأماكن المقدسة والبعض منهم ادعى اعتناقه للإسلام إيغالاً في التمويه.
ومن المستشرقين الذين كان لهم الدور البارز في مجال الدس والمكر والخديعة المستشرق الفرنسي (فانتور) الذي عرّف عنه الدكتور أحمد شاكر في كتابه المتنبي بقوله:
" إنه شيطان نابليون ومستشاره وخليله ونجيه, لا يفارقه الحل والترحال, يرسم له الطريق ويعيّن له المدى ويحدد له الهدف ويقدّم النصح والإرشاد".
وقد أغرى نابليون وزيّن له غزو الشرق ليعيد مجد أجداده ويسترد مافقدوه من الممالك والإمارات أثناء غزاة الصليب ويقيم امبراطورية شرقية دفيقة الخيرات غزيرة الموارد مترامية الأطراف. فجاء بتلك الحملة المؤلفة من 36 ألفاً من الجنود والقوّاد والأدلاء والخبراء مزوّدة بكل ما عرفه ذلك الزمن من أدوات الفتك والتدمير ولعل أفتك تلك الأسلحة -على اختلافها- وأخطرها على الأمة وتاريخها وحاضرها وتراثها ومقوماتها وخصائصها هم أولئك المستشرقون (فانتور ولفيفه) الذين رصدوا الحركات والسكنات وعيّنوا نقاط الضعف ومسارب التسلل إلى حياة مصر.
(فانتور) الذي يحمل في صدره وعلى كاهله همّ الغرب ويعتلج في قلبه كره العرب والإسلام ويختلج في صدره سميم العداء لشعوب الشرق,
(فانتور) هذا يقود بربرياً متغطرساً مستخفاً بكل القيم - وإن ظهر بزي متحضر- فيدمّر حضارة شعب, ويوقف حركة تقدّمه ويشل قوّة تطلعه ويطمح أن يوسّع دائرة امبراطوريته إلى أبعد من مصر.. إلى سوريا ولكنه يرجع ذميماً دحيراً هزيماً عن أسوار عكا.
لقد أوحى المستشرق الداهية إلى البربري المتحضر إن المسلمين في مصر يستجيبون للنزعة الدينية وينقادون للعاطفة الروحية وما عليه إلا أن يتظاهر:
1- بإعلان إسلامه.
2- بلبس العمامة.
3- بارتداء الزي المصري.
4- بالمشاركة بالأعياد الدينية.
5- بالإيمان بالقضاء والقدر.
6- بأنه جاء ينقذهم من حكم المماليك الظالمين.
وكذلك المستشرق البلجيكي (هنري لامنس) الشديد التعصب ضد الإسلام وهو راهب يسوعي يفتقر افتقاراً تاماً إلى النزاهة في البحث والأمانة في نقل النصوص وفهمها, ويُعد نموذجاً سيئاً جداً للباحثين في الإسلام من المستشرقين. خلف الأب لويس شيخوا اليسوعي في إدارة مجلتي المشرق والبشير, درج على ما درج عليه و(ليوني كاتياني) بالقول: إنّ كتب الحديث كلها موضوعة.
أمّا ما كتبه عن المسلمين العلويين (النصيريين) فقد بذل جهداً مستميتاً ليخرجهم من الإسلام إلى النصارى, كتب ما أوحى إليه ضميره وحقق به غرضه, وأدرك - على زعمه- مأربه, وبلغ به تجاهل الحقيقة, وتجاوز الواقع حداً ضاق به حتى زميله (رينو دوسو) مع أنهما كلاهما يمتحان من قليب قدر واحد ويسعيان إلى هدف واحد ويرميان إلى غاية واحدة, ففي حين يجهد (لامنس) نفسه ويكد قلمه ليقول إنّ أصل النصيريين نصارى يأتي رينيه دوسو بحكم معاكس ورأي مخالف ويعود بالنصيريين إلى أصول فينيقية.
ونحن نرى أن هذين المستشرقين وإن اختلفا حكماً وقولاً فإنهما متفقان غاية وقصداً وغايتهما واضحة وفاضحة وهي:
تزوير تاريخ فئات الإسلام شأن أكثر المستشرقين قبلهما وبعدهما.
ويأتي في المراحل الأخيرة وتحديداً بعد 1980 ثالثة الأثافي (كما يُقال):
(أبو موسى الحريري) أحد فرسان الحقيقة الصعبة فيستعرض آراء زميليه لامنس ودوسو ويفنّدها وينتفض منها ويزيد عليها ومما جاء في كتابه عن النصيريين قوله:
" في كل ما كتب لامنس عن النصيريين لا نجد أي إشارة إلى أي مرجع من مراجعهم ولم يعرف الأب لامنس - كما يبدو- أي كتاب أو أي مخطوط لهم, وهو لم يستقِ معلوماته من كتبهم بل من كتب وضعها باحثون فكان مرجعه الأساسي سليمان الآضني النصيري المرتد, ومرجعه الثاني جولاته ورحلاته في بلادهم, وإنّ كثرة المعالم - الخرائب- المسيحية في بلادهم لا يعني أن أصلهم نصارى وقد يغفل الأب لامنس بعقليته الأوروبية أمر التهجير". (سلسلة الحقيقة الصعبة).
والحريري هذا كمثل زميليه هدفاً وإن اختلف معهما شكلاً, فليس اختلافهم إلا قصداً لتوسيع دائرة الإتهام. لذلك جاء كل منهم بآرائه ليترك للقارئ الخيرة في ما يأخذ منها وما يدع, ولكن القارئ مع ذلك لا يستطيع أن ينفلت من الدائرة التي رسموها.
ومن المستشرقين أيضا المستشرق الفرنسي (ماسينيون) والذي تسلل إلى الإسلام ودرس في الأزهر ولبس العمامة والجبة إمعاناً في التضليل وستراً للمقاصد, وبث سمومه في مؤلفاته التي تناول بها هذه الطائفة المؤمنة وبرز مدافعاً عن الحلاج مدّعي الألوهية واعتبره شهيد العقيدة.
والحلاج بالنسبة للعلويين مغالي حلولي زنديق لا يُعبأ به ولا بأقواله وقد قتل صلباً جزاء على اجترائه على الله ورسوله.
إنّ إقبال الغربيين على دراسة اللغات الشرقية وتفهمها لم يكن الغرض منه مقصوراً على الإنتفاع بما خرج فيها من العلوم فحسب بل لقد طلبوا ذلك أيضاً للأغراض التجارية, وطلبوه بحفظ أعظم من هذا ليتيسّر التبشير بالمسيحية في البلاد الشرقية.
فقد قضى مجمع فينا سنة (1311م) وكان برئاسة اكلمنت الخامس أن تؤسس في باريس وأكسفورد وبولون دروس عربية وعبرانية وكلدانية لتخريج وعاظاً وأهل جدل أشدّاء لتنصير المسلمين واليهود.
وأنشأ الفرنشيسكان والدومينيكان من الرهبنات الكبرى أديارهم دروساً في هذه اللغات فأصبحت إيطاليا مهد حركة نجحت في الإستشراق, وأخذوا بنوع خاص يدرسون العبرية للتعمق في فهم أسرار التوراة وتنصير اليهود, ويدرسون اللغة العربية لتنصير المسلمين فكانت رومية أول مدينة في العالم طبع فيها كتاب عربي عقيب اختراع الطباعة وهو (قانون ابن سينا).
وفي أواسط القرن الثامن عشر لما أخذت أوروبا تتحفز لاستعمار الشرق أخذ علماؤها يبحثون في تأليف جمعيات لهذه الغاية فأنشأت منذ ذلك العهد في أوروبا وأمريكا عدّة جمعيات لهذه الغاية فأنشأت منذ ذلك العهد في أوروبا وأمريكا عدّة جمعيات للمستشرقين وأقدمها عهداً الجمعية الآسيوية في باريس التي أسست سنة (1822م) بمعرفة شيخ المستشرقين من الفرنسيين( سلفستر دي ساس) ثم أنشأت معاهد للغات الشرقية في جميع الدول تابعة هذه المعاهد لوزارة المستعمرات أو لوزارة الخارجية المشرفة على الشؤون السياسية,
فلا عجب إذا إذ رأينا المستشرقين يجهدون في تصوير الشرق بصورة بشعة قبيحة في أخلاقه وعاداته وآرائه ويتجنون على الإسلام في كتابتهم ونشر ما يدعو إلى التشكك في الدين الإسلامي وإلى تزعزع اليقين في صحّة كتابه الكريم وصدق الرسول الأمين.
فهم لا يعفون عن الإتهام فيما يكنونه ولا يترفعون عن الهوى فيما يبحثونه اللهم إلا نفر قليل منهم رزق الإنصاف أو أرغمه التاريخ على الإعتراف بفضل التاريخ الإسلامي على الإنسانية وآثار تعاليمه في إنقاذ البشرية.
فكان هؤلاء المستشرقون ضروباً ثلاثة:
- ضرب منهم لم يملك ناصية اللغة فأخطأ في نشر الكتاب وفي فهم النصوص ولكنه حفل بأمور شكلية لا فائدة لنا فيها.
- وضرب ثاني أثرت في دراساتهم مآرب السياسة والتعصب للدين فوجهوا الحقائق وفسروها بما يوافق أغراضهم أو ما يسعون إليه. ولعل هذا الضرب هو الذي دفع الشرقيين من المسلمين العرب أن يرتابوا بالمستشرقين جميعاً لأن من المؤسف أن يسخّر هؤلاء العلم الذي يسموا به الإنسان لإذلال الإنسان أو استعباده أو الإعتداء على تراثه أو الطعن على عقيدته بغير الحق.
- بقي فريق ثالث أوتي الكثير من سعة العلم والتمكن من العربية والإخلاص للبحث والتحرر والإنصاف فكانت دراستهم مثمرة وأعمالهم نافعة وبحوثهم جديرة بالتجلة والإحترام.
بيد أن للمستشرقين زلات ارتكبوا أكثرها عن عمد استجابة لنياتهم وتحقيقاً لأغراضهم ووقعوا في القليل منها عن خطأ في فهم النصوص وعجز عن الغوص إلى أعماقها والإهتداء إلى فهم أسرارها.
من زلات المستشرقين المتكررة وهفواتهم الشائعة:
تصدّيهم للروايات الضعيفة يروّجونها وللكتب التي ليست بذات ثقة في نقلها يعتمدون عليها وينقلون منها ثم يبنون على ذلك أحكامهم ويؤكدون استنباطاتهم (نقلاً عن كتاب الوحدة الإسلامية للأستاذ عبد الوهاب حمودة).
قال الأستاذ محمود العقاد في مقال له:
(فالدراسات الإسلامية التي اشتغل بها الأوروبيون في تلك الآونة إنما كانت لتحويل المفكرين منهم عن هذه الوجهة كانت للرد على الفلاسفة المسلمين وإدحاض أقوالهم, وتجديد العناية باللاتينية واليونانية بدلاً من العربية, وهذه هي مرحلة الدفاع الأولى وغايتها الكبرى أن يتخلص القوم من سيطرة الفكر العربي والدراسات العربية الإسلامية.
وبعد مرحلة الدفاع هذه بدأت مرحلة أخرى هي مرحلة الهجوم.
وكان الغرض منها استخدام المعارف الإسلامية في حركة التبشير الديني وحركة الدعوة الثقافية التي تصطبغ بصيغة التبشير, ثم اتجهت حركة الدراسة الإسلامية بعد وجهة التبشير إلى وجهة الإستعمار, ثم عرف الإستعمار مصيره بين الأمم الإسلامية).
وقال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في مقال له:
(يوجد بين المستشرقين أفراد متعصبون مضللون كما يوجد فيهم علماء طيبون منصفون. اشتغل أولئك النفر باللغة العربية لغاية الدس والتجسس وإلقاء الفتنة والشقاق بين المسلمين وللطعن في الإسلام وتشكيك الشباب في دينهم وعقائدهم كل ذلك خدمة للإستعمار والمستثمرين. ونحن لا نخشى على ديننا من مستشرق أو متحزلق بل ولا من الإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا, لأن نور الله لا يُطفأ بالأفواه والأقوال وحصنه أمنع من أن ينال منه المبطلون.
فإذا ذكرنا طرفاً من أقوالهم فإنما نذكره للتفكيه والتسلية لا للجواب والرد, وليعرف القراء مدى الجهل الذي بلغه أعداء الإسلام وأنهم إذا حاولوا الطعن فيه والتبشير ضدّه لا يجدون وسيلة إلا التحريف والتزييف وإلا الكذب والإفتراء). انتهى.
وأعقب المستشرقون مواكب (المبشرين) فأقاموا المؤسسات الثقافية من مدارس ومعاهد وجامعات ومطابع وصحف ودور نشر وشركات توزيع ومكتبات ودعاية وإعلان وترجموا الكتب ونشروا المخطوطات, وأقبل أبناء البلاد على هذه المؤسسات يعبّون من مائها ويسكرون من صهبائها ولم يدركوا ما يبيّت لهم أو يُراد منهم, وقديماً تلذذ الهر بابتلاع دمه وهو يلحس المبرد.
إن استقراء ودراسة الدور الذي لعبته وتلعبه نوادي التبشير المبثوثة في نقاط مختلفة من الأراضي الإسلامية يبيّن بوضوح البعد التقريبي التخريبي والخبيث الذي تلجأ إليه هذه النوادي في سعيها المحموم من أجل نشر وترويج أفكارها وعقائدها المنحرفة والمردودة عقلاً.
نعم إن الحوار العلمي يشكل قاعدة سليمة يمكن من خلالها الرسو على مبدأ صحيح يسلم بصوابه وأحقانيته العقلاء, بيد أن ما تلجأ إليه هذه النوادي - التي تحركها أصابع ونوايا معلومة للجميع - لا يمكن أن نصنفه ضمن هذه الإعتبارات الصحيحة لاعتمادها على أساليب الكذب والإفتراء والخداع, وهذا ما حاول ويحاول مفكرو المسلمين إيضاحه وكشف أبعاده.
ولعل الثابت والمتفق عليه ترادف إنشاء تلك النوادي مع الغزو الإستعماري الذي تقوم به الجيوش الأجنبية - المنتسبة لها تلك النوادي- لتلك الدول المبتلاة بها, من خلال انتهازها لظروف التخلف والفقر القاهرة والتي نجدها عياناً في كثير من الدول الآسيوية والأفريقية النامية.
واعتماداً على صحة هذا التصور فقد كانت العديد من الدول العربية المسلمة إبان خضوعها للإحتلال الأوروبي المقيت أرضاً مشرّعة الأبواب أمام تلك النوادي التي ألقت فيها رحالها واستقرّت.(أصل الشيعة وأصولها).
هذه العوامل العديدة وما شابهها كان لها الأثر الكبير في تقسيم المسلمين وإثارة النعرات الطائفية فيما بينهم والتي أدّت إلى إضعافهم وتفريق صفوفهم كما أسلفنا سابقاً