الناصر313
November 8th,2008, 06:46 PM
أخلاقيات
هكذا تكون المعاشرة
عن إبراهيم بن العباس أنه قال:
(ما رأيت أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلامه قط.
وما رأيت قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه.
وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها.
ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قط.
ولا اتكأ بين يدي جليس له قط.
ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط.
ولا رأيته تفل قط.
ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسّم.
وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب والسائس.
وكان (ع) قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح. وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول: «ذلك صوم الدهر».
وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه)(17).
وعلى الحصير
عن محمد بن أبي عباد أنه قال: «كان جلوس الرضا (ع) على حصير في الصيف ، وعلى مسح في الشتاء، ولبسه الغليظ من الثياب، حتى إذا برز للناس تزين لهم»(18).
أعلم الناس
عن إبراهيم بن العباس أنه قال: ما رأيت الرضا (ع) يُسأل عن شيء قط إلا علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب فيه، وكان كلامه كله وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كل ثلاثة ويقول: «لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة تختمت، ولكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي أي شيء نزلت، وفي أي وقت؛ فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة أيام»(19).
الجود والكرم
عن اليسع بن حمزة قال: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا (ع) أحدثه، وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال له: السلام عليك يا ابن رسول الله، رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك (ع) مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله عليّ نعمة، فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك؛ فلست موضع صدقة.
فقال له (ع) : «اجلس رحمك الله»، وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا، فقال: «أتأذنون لي في الدخول؟».
فقال له سليمان: قدم الله أمرك.
فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة، ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: «أين الخراساني؟».
فقال: ها أنا ذا.
فقال: «خذ هذا المائتي دينار واستعن بها في مئونتك ونفقتك وتبرك بها، ولا تصدق بها عني، واخرج فلا أراك ولا تراني».
ثم خرج (ع) فقال له سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟.
فقال: «مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول الله (ص) : المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له، أما سمعت قول الأول:
متى آته يــــــوماً لأطلب حــاجةً
رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه»(20)
في تشييع جنازة المؤمن
قال موسى بن سيار: كنت مع الرضا (ع) وقد أشرف على حيطان طوس، وسمعت واعية فاتبعتها، فإذا نحن بجنازة.
فلما بصرت بها رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه، ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها، ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمها.
ثم أقبل عليّ وقال: «يا موسى بن سيار، من شيع جنازة وليّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه».
حتى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل، فأخرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت، فوضع يده على صدره ثم قال: «يا فلان بن فلان أبشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة».
فقلت: جعلت فداك هل تعرف الرجل، فوالله إنها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا؟
فقال لي: «يا موسى بن سيار، أما علمت أنا معاشر الأئمة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا الله الشكر لصاحبه»(21).
مع الخدم
روي عن ياسر الخادم أنه قال: كان الرضا (ع) إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده، الصغير والكبير، فيحدّثهم ويأنس بهم ويؤنسهم.
وكان (ع) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته(22).
عن ياسر الخادم ونادر قالا: قال لنا أبو الحسن (ع) : «إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا».
ولربما دعا (ع) بعضنا فيقال له: هم يأكلون، فيقول: «دعوهم حتى يفرغوا»(23).
من كراماته ومعجزاته (ع)
لترونه عن قريب
عن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي قال: كنا حول أبي الحسن الرضا (ع) ونحن شبان من بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رث الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئة جعفر بن عمر.
فقال الرضا (ع) : «لترونه عن قريب كثير المال كثير التبع».
فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولّيَ المدينة وحسنت حاله، فكان يمر بنا ومعه الخصيان والحشم(24).
لو زاد رسول الله (ص) لزدناك
عن أبي حبيب النباجي أنه قال: رأيت رسول الله (ص) في المنام وقد وافى النباج(25) ونزل في المسجد الذي ينزل الحجاج في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، وكأنه قبض قبضةً من ذلك التمر فناولني، فعددته فكان ثماني عشرة تمرة، فتأوّلت إني أعيش بعدد كل تمرة سنة..
فلما كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (ع) من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه.
فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (ص) وتحته حصير مثل ما كان تحته (ص) ، وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه.
فردّ السلام عليّ واستدعاني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول الله (ص) ..
فقلت له: زدني منه يا ابن رسول الله.
فقال (ع) : «لو زادك رسول الله (ص) لزدناك»(26).
قميصاً للكفن
عن الريان بن الصلت أنه قال: لما أردت الخروج إلى العراق وعزمت على توديع الرضا (ع) فقلت في نفسي: إذا ودّعته سألته قميصاً من ثياب جسده لأكفّن به، ودراهم من ماله أصوغ بها لبناتي خواتيم.
فلما ودعته شغلني البكاء والأسف على فراقه عن مسألة ذلك، فلما خرجت من بين يديه صاح بي: «يا ريان ارجع»، فرجعت.
فقال (ع) لي: «أما تحب أن أدفع إليك قميصاً من ثياب جسدي تكفّن فيه إذا فني أجلك؟
أو ما تحب أن أدفع إليك دراهم تصوغ بها لبناتك خواتيم؟».
فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك فمنعني الغم بفراقك.
فرفع (ع) الوسادة وأخرج قميصاً فدفعه إليّ، ورفع جانب المصلى فأخرج دراهم فدفعها إليَّ، وعددتها فكانت ثلاثين درهماً (27).
عين الماء
عن محمد بن حفص قال: حدثني مولى العبد الصالح أبي الحسن موسى ابن جعفر ? قال: كنت وجماعة مع الرضا (ع) في مفازة فأصابنا عطش شديد ودوابنا حتى خفنا على أنفسنا.
فقال لنا الرضا (ع) : «ائتوا موضعاً» وصفه لنا فإنكم تصيبون الماء فيه.
قال: فأتينا الموضع فأصبنا الماء وسقينا دوابنا حتى رويت وروينا ومن معنا من القافلة، ثم رحلنا فأمرنا (ع) بطلب العين، فطلبناها فما أصبنا إلا بعر الإبل ولم نجد للعين أثراً (28).
ماذا يحدث لآل برمك
روي عن محمد بن الفضل قال: لما كان في السنة التي بطش هارون بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى وحبس يحيى بن خالد ونزل بهم ما نزل، كان أبو الحسن (ع) واقفاً بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه فسئل عن ذلك؟
فقال: «إني كنت أدعو الله على البرامكة قد فعلوا بأبي (ع) ما فعلوا فاستجاب الله لي فيهم اليوم». فلما انصرف لم يلبث إلا يسيرا حتى بطش بجعفر وحبس يحيى وتغيرت أحوالهم(29).
قال مسافر: كنت مع الرضا (ع) بمنى فمر به يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطى وجهه من الغبار، فقال الرضا (ع) : «مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة».
ثم قال (ع) : «وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين (وضم بين إصبعيه)».
قال: مسافر فما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه(30).
إنه يشتهي من هذه الدنانير
عن الريان بن الصلت أنه قال: دخلت على الرضا (ع) بخراسان وقلت في نفسي: أسأله عن هذه الدنانير المضروبة باسمه.
فلما دخلت عليه قال لغلامه: «إن أبا محمد يشتهي من هذه الدنانير التي عليها اسمي فهلم بثلاثين درهماً منها».
فجاء بها الغلام فأخذتها ثم قلت في نفسي: ليته كساني من بعض ما عليه.
فالتفت (ع) إلى غلامه فقال: «وقل لهم لا يغسلون ثيابي وتأتي بها كما هي»، فأتيت بقميص وسروال ونعل(31).
مات البطائني
عن الحسن بن علي الوشاء قال: دعاني سيدي الرضا (ع) بمرو فقال (ع) : «يا حسن، مات علي بن أبي حمزة البطائني في هذا اليوم، وأدخل في قبره الساعة ودخلا عليه ملكا القبر فسألاه من ربك؟
فقال: الله.
ثم قالا: من نبيك؟
فقال: محمد (ص) .
فقالا: من وليك؟
فقال: علي بن أبي طالب (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: الحسن (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: الحسين (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: علي بن الحسين (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: محمد بن علي (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: جعفر بن محمد (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: موسى بن جعفر (ع) .
قالا: ثم من؟
فلجلج.
فزجراه وقالا: ثم من؟
فسكت.
فقالا له: أفموسى بن جعفر أمرك بهذا.
ثم ضرباه بمقمعة من نار فألهبا عليه قبره إلى يوم القيامة».
فخرجت من عند سيدي فأرّخت ذلك اليوم فما مضت الأيام حتى وردت كتب الكوفيين بموت البطائني في ذلك اليوم، وإنه دخل قبره في تلك الساعة(32).
كفّ عنه
قال أحمد بن عمر الحلال: سمعت الأخرس بمكة يذكر الرضا (ع) فنال منه، قال: فدخلت مكة فاشتريت سكيناً فرأيته فقلت: والله لأقتلنه إذا خرج من المسجد، فأقمت على ذلك.
فما شعرت إلا برقعة أبي الحسن (ع) : «بسم الله الرحمن الرحيم بحقي عليك لما كففت عن الأخرس فإن الله ثقتي وهو حسبي»(33).
أتدري ما يقول العصفور؟
عن سليمان الجعفري قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (ع) في حائط له، إذ جاء عصفور فوقع بين يديه وأخذ يصيح ويكثر الصياح ويضطرب، فقال لي: «يا سليمان تدري ما تقول العصفور؟».
قلت: لا.
قال: «إنه يقول: إن حية تريد تأكل أفراخي في البيت، فقم فخذ النبعة في يديك ـ يعني العصا ـ وأدخل البيت واقتل الحية».
فأخذت النبعة ودخلت البيت وإذا حية تجول في البيت فقتلتها (34).
هكذا تكون المعاشرة
عن إبراهيم بن العباس أنه قال:
(ما رأيت أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلامه قط.
وما رأيت قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه.
وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها.
ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قط.
ولا اتكأ بين يدي جليس له قط.
ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط.
ولا رأيته تفل قط.
ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسّم.
وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب والسائس.
وكان (ع) قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح. وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول: «ذلك صوم الدهر».
وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه)(17).
وعلى الحصير
عن محمد بن أبي عباد أنه قال: «كان جلوس الرضا (ع) على حصير في الصيف ، وعلى مسح في الشتاء، ولبسه الغليظ من الثياب، حتى إذا برز للناس تزين لهم»(18).
أعلم الناس
عن إبراهيم بن العباس أنه قال: ما رأيت الرضا (ع) يُسأل عن شيء قط إلا علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب فيه، وكان كلامه كله وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كل ثلاثة ويقول: «لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة تختمت، ولكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي أي شيء نزلت، وفي أي وقت؛ فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة أيام»(19).
الجود والكرم
عن اليسع بن حمزة قال: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا (ع) أحدثه، وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال له: السلام عليك يا ابن رسول الله، رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك (ع) مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله عليّ نعمة، فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك؛ فلست موضع صدقة.
فقال له (ع) : «اجلس رحمك الله»، وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا، فقال: «أتأذنون لي في الدخول؟».
فقال له سليمان: قدم الله أمرك.
فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة، ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: «أين الخراساني؟».
فقال: ها أنا ذا.
فقال: «خذ هذا المائتي دينار واستعن بها في مئونتك ونفقتك وتبرك بها، ولا تصدق بها عني، واخرج فلا أراك ولا تراني».
ثم خرج (ع) فقال له سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟.
فقال: «مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول الله (ص) : المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له، أما سمعت قول الأول:
متى آته يــــــوماً لأطلب حــاجةً
رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه»(20)
في تشييع جنازة المؤمن
قال موسى بن سيار: كنت مع الرضا (ع) وقد أشرف على حيطان طوس، وسمعت واعية فاتبعتها، فإذا نحن بجنازة.
فلما بصرت بها رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه، ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها، ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمها.
ثم أقبل عليّ وقال: «يا موسى بن سيار، من شيع جنازة وليّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه».
حتى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل، فأخرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت، فوضع يده على صدره ثم قال: «يا فلان بن فلان أبشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة».
فقلت: جعلت فداك هل تعرف الرجل، فوالله إنها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا؟
فقال لي: «يا موسى بن سيار، أما علمت أنا معاشر الأئمة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا الله الشكر لصاحبه»(21).
مع الخدم
روي عن ياسر الخادم أنه قال: كان الرضا (ع) إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده، الصغير والكبير، فيحدّثهم ويأنس بهم ويؤنسهم.
وكان (ع) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته(22).
عن ياسر الخادم ونادر قالا: قال لنا أبو الحسن (ع) : «إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا».
ولربما دعا (ع) بعضنا فيقال له: هم يأكلون، فيقول: «دعوهم حتى يفرغوا»(23).
من كراماته ومعجزاته (ع)
لترونه عن قريب
عن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي قال: كنا حول أبي الحسن الرضا (ع) ونحن شبان من بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رث الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئة جعفر بن عمر.
فقال الرضا (ع) : «لترونه عن قريب كثير المال كثير التبع».
فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولّيَ المدينة وحسنت حاله، فكان يمر بنا ومعه الخصيان والحشم(24).
لو زاد رسول الله (ص) لزدناك
عن أبي حبيب النباجي أنه قال: رأيت رسول الله (ص) في المنام وقد وافى النباج(25) ونزل في المسجد الذي ينزل الحجاج في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، وكأنه قبض قبضةً من ذلك التمر فناولني، فعددته فكان ثماني عشرة تمرة، فتأوّلت إني أعيش بعدد كل تمرة سنة..
فلما كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (ع) من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه.
فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (ص) وتحته حصير مثل ما كان تحته (ص) ، وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه.
فردّ السلام عليّ واستدعاني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول الله (ص) ..
فقلت له: زدني منه يا ابن رسول الله.
فقال (ع) : «لو زادك رسول الله (ص) لزدناك»(26).
قميصاً للكفن
عن الريان بن الصلت أنه قال: لما أردت الخروج إلى العراق وعزمت على توديع الرضا (ع) فقلت في نفسي: إذا ودّعته سألته قميصاً من ثياب جسده لأكفّن به، ودراهم من ماله أصوغ بها لبناتي خواتيم.
فلما ودعته شغلني البكاء والأسف على فراقه عن مسألة ذلك، فلما خرجت من بين يديه صاح بي: «يا ريان ارجع»، فرجعت.
فقال (ع) لي: «أما تحب أن أدفع إليك قميصاً من ثياب جسدي تكفّن فيه إذا فني أجلك؟
أو ما تحب أن أدفع إليك دراهم تصوغ بها لبناتك خواتيم؟».
فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك فمنعني الغم بفراقك.
فرفع (ع) الوسادة وأخرج قميصاً فدفعه إليّ، ورفع جانب المصلى فأخرج دراهم فدفعها إليَّ، وعددتها فكانت ثلاثين درهماً (27).
عين الماء
عن محمد بن حفص قال: حدثني مولى العبد الصالح أبي الحسن موسى ابن جعفر ? قال: كنت وجماعة مع الرضا (ع) في مفازة فأصابنا عطش شديد ودوابنا حتى خفنا على أنفسنا.
فقال لنا الرضا (ع) : «ائتوا موضعاً» وصفه لنا فإنكم تصيبون الماء فيه.
قال: فأتينا الموضع فأصبنا الماء وسقينا دوابنا حتى رويت وروينا ومن معنا من القافلة، ثم رحلنا فأمرنا (ع) بطلب العين، فطلبناها فما أصبنا إلا بعر الإبل ولم نجد للعين أثراً (28).
ماذا يحدث لآل برمك
روي عن محمد بن الفضل قال: لما كان في السنة التي بطش هارون بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى وحبس يحيى بن خالد ونزل بهم ما نزل، كان أبو الحسن (ع) واقفاً بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه فسئل عن ذلك؟
فقال: «إني كنت أدعو الله على البرامكة قد فعلوا بأبي (ع) ما فعلوا فاستجاب الله لي فيهم اليوم». فلما انصرف لم يلبث إلا يسيرا حتى بطش بجعفر وحبس يحيى وتغيرت أحوالهم(29).
قال مسافر: كنت مع الرضا (ع) بمنى فمر به يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطى وجهه من الغبار، فقال الرضا (ع) : «مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة».
ثم قال (ع) : «وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين (وضم بين إصبعيه)».
قال: مسافر فما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه(30).
إنه يشتهي من هذه الدنانير
عن الريان بن الصلت أنه قال: دخلت على الرضا (ع) بخراسان وقلت في نفسي: أسأله عن هذه الدنانير المضروبة باسمه.
فلما دخلت عليه قال لغلامه: «إن أبا محمد يشتهي من هذه الدنانير التي عليها اسمي فهلم بثلاثين درهماً منها».
فجاء بها الغلام فأخذتها ثم قلت في نفسي: ليته كساني من بعض ما عليه.
فالتفت (ع) إلى غلامه فقال: «وقل لهم لا يغسلون ثيابي وتأتي بها كما هي»، فأتيت بقميص وسروال ونعل(31).
مات البطائني
عن الحسن بن علي الوشاء قال: دعاني سيدي الرضا (ع) بمرو فقال (ع) : «يا حسن، مات علي بن أبي حمزة البطائني في هذا اليوم، وأدخل في قبره الساعة ودخلا عليه ملكا القبر فسألاه من ربك؟
فقال: الله.
ثم قالا: من نبيك؟
فقال: محمد (ص) .
فقالا: من وليك؟
فقال: علي بن أبي طالب (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: الحسن (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: الحسين (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: علي بن الحسين (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: محمد بن علي (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: جعفر بن محمد (ع) .
قالا: ثم من؟
قال: موسى بن جعفر (ع) .
قالا: ثم من؟
فلجلج.
فزجراه وقالا: ثم من؟
فسكت.
فقالا له: أفموسى بن جعفر أمرك بهذا.
ثم ضرباه بمقمعة من نار فألهبا عليه قبره إلى يوم القيامة».
فخرجت من عند سيدي فأرّخت ذلك اليوم فما مضت الأيام حتى وردت كتب الكوفيين بموت البطائني في ذلك اليوم، وإنه دخل قبره في تلك الساعة(32).
كفّ عنه
قال أحمد بن عمر الحلال: سمعت الأخرس بمكة يذكر الرضا (ع) فنال منه، قال: فدخلت مكة فاشتريت سكيناً فرأيته فقلت: والله لأقتلنه إذا خرج من المسجد، فأقمت على ذلك.
فما شعرت إلا برقعة أبي الحسن (ع) : «بسم الله الرحمن الرحيم بحقي عليك لما كففت عن الأخرس فإن الله ثقتي وهو حسبي»(33).
أتدري ما يقول العصفور؟
عن سليمان الجعفري قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (ع) في حائط له، إذ جاء عصفور فوقع بين يديه وأخذ يصيح ويكثر الصياح ويضطرب، فقال لي: «يا سليمان تدري ما تقول العصفور؟».
قلت: لا.
قال: «إنه يقول: إن حية تريد تأكل أفراخي في البيت، فقم فخذ النبعة في يديك ـ يعني العصا ـ وأدخل البيت واقتل الحية».
فأخذت النبعة ودخلت البيت وإذا حية تجول في البيت فقتلتها (34).