صلاح المحياوي
September 26th,2008, 09:01 PM
بإسمه تعالی
في آونة التي كان يُدفن جثمان النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الطاهر، كانت في الحقيقة تُدفن معه وصيته حول ولاية علي (علیه السلام). الوصية التي كانت تبيّن طريق المجتمع الإسلامي في حركته السياسية. قدّم النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) _ بالفراسة التي لا يتوقع إلا منه _ عليّا (علیه السلام) كوليّ المؤمنين و لا "الولي المسلمين" و صرّح علی هذه الحقيقة بأنّ الذين أسلموا نتيجة الخضوع للظروف السياسية و يحملون لفظ المُسلم فحسب لا يقبلون ولايته ابدا. و لكن من المتوقع أنّ الذين امنوا بالنبي ايماناً حقيقياً و اعتنقوا ولايته أن يقبلوا ولاية علي (علیه السلام).
في هذه الظروف، رأت فاطمة بأنّه قد فُقِدَ الرسول و وصيّته أو - على الأقل – وصيّة الرسول على وشك الإمحاء في مواجهة تيار إعادة النظر و الرّجعية ، و لو لا يقاوم شخص هذه الفيضانات الهادمة للإيمان سيهدم كل شئ و للأبد.
بالتالي أنّها خاطبت و بکل صلابة الذين قبلوا الإتّفاقيات السياسية و السلطة الجديدة و رفضوا وصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مسجد النبوي:"...نصبر منكم على مثل حز المدى و وخز السنان فی الحشا ..." ما كان يصدّق أحد أنّ بنت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تدافع عن رسالة النبي مثل هذا الدفاع المستميت و لا تدع أيّ فرصة في هذا المجال انطلاقا من مواجهة الرجعيه المباشرة و مروراً بدعوة المهاجرين و الانصار و تواجد الهادف في مسجد النبي و عند مقابر الشهداء و إنتهاءا بإحتجاجات صريحة في الخطب و المقابلات.
على سبيل المثال في أيام الأخيرة من عمرها الشريف قالت لأم سلمة التي جاءت لزيارتها" أصبحت بين كمد و كرب فقد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و ظلم الوصي" .في فرصة أخرى قالت لنسوان المدينة مثل هذه البيانات ولکن بتفصيل أکثر و أکّدت: :.... أصبحت والله عائفة لدنیاکم، قالیة لرجالکم ... ویحهم انی زحزهوها عن رواسی الرسالة و قواعد النبوة و مهبط الوحی و الأمین و الطبین بأمر الدنیا و الدین ... و ما نقموا من أبی الحسن؟ ... والله لو تکافوا عن زمام نبذه رسول الله الیه لا عتلقة، و لسار بهم سیرا سجحا ... و لفتحت علیهم برکات من السماء و الأرض .."
وفي النهاية قد سُمعت عنها كلمات كآخر لهيب الشمعة التي كانت على وشك الإنطفاء: "... ألا هلم فاسمع و ما عشت أراك الدهر عجبا ... استبدلوا و الله الذنابى بالقوادم و العجز بالكاهل." فاطمة (علیها السلام) أغتنمت أی فرصة لتحذير الناس و هم إمّا أنكروا تحذيرها و إمّا مافهموا. و كانت تفكّر في أجيال القادمة. ماذا يُصنع بهم؟ كيف يمكن تحذيرهم؟ كيف يمكن محادثتهم؟ كيف يمكن إخبارهم بأنّ رسالة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعده أصبحت ضحية مؤامراة و حب الرئاسة و انتهازية بعض الأشخاص الذين كانو يريدون الإسلام لأنفسهم وايضا أصبحت ضحية جهالة الناس و سذاجتهم. كيف يمكن توصيل صرخة الإحتجاج إلى آذان التأريخ؟ علي فكرة، هل من أداة في متناول الفاطمة لتوصيل إحتجاجها إلى آذان الشعوب و الأجيال و الأعصار في حين کانت فاطمة (علیها السلام) تمُنع عن حقّها في البكاء على فقدان رسالة و الرسول.
بإمكاننا أن نسمع صرخة إحتجاج فاطمة في وصيّة قصيرة من بين صفحات التاريخ:
"بسم الله الرحمن الرحیم
هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول اللّه (صلی الله علیه و آله و سلم) أوصت و هي تشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّداً عبده و رسوله و أنّ الجنّة حقٌّ و النّار حقٌّ و أنّ السّاعة آتيةٌ لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور.
يا عليّ أنا فاطمة بنت محمّدٍ. زوّجني اللّه منك لأكون لك في الدّنيا و الآخرة أنت أولى بي من غيري حنّطني و غسّلني و كفّنّي باللّيل و صلّ عليّ و ادفنّي باللّيل و لا تعلم أحداً و أستودعك اللّه و أقرأ على ولدي السّلام إلى يوم القيامة."قد أوصت فاطمة أن يُدفن جثمانها سرّيّا. إختفاء مزار فاطمة في الحقيقة رسالتها إلى التاريخ. رسالتها إلى المسلمين للأبد. للتوصيل هذه الرسالة إلى الأجيال و الأعصار مدی التاريخ لابدّ أن يُدفن جثمانها الطاهر سرّيّا حتى يبحث الناس سرّ عنوان قبرها المجهول في حياتها، أحزانها و إحتجاجاتها الدائمة على الرجعية و الإستبداد و يلقون عبر هذه المنفذة نظرة جديدة إلى تأريخ الإسلام و مصيرة المسلمين.
و هكذا خلقت فاطمة من الموت الحياة، من الهزيمة، النجاح ، من الفاجعة ،الملحمة الفاخرة و من هدوئها الأبدي حركة مستمرة و الثورة الجياشة في كل الأعصار و الأجيال عبر القرون. و لايزال يخفق قلبها لمصيرة مسلمي العالم و ترنو إلى عَلَم يهتزّ يوما لإنقاذ المظلومين و للدفاع عن الاسلام و إحياء مدينة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على يدي إبنها المهدي المنتظر (عج الله تعالی فرجه الشريف).
و اليوم من يقلق للعناء الانسان المظلوم لابدّ أن يفكّر في سرّ قبر فاطمة المجهول، في صدرها الحزينة، في دموعها الغزيرة و في أنينها المحرقة. لابدّ أن يترنّم كلامها و يوصّل رسالتها إلى العالم على سعته.
(مأخوذ من كتاب "المدينة المفقودة. ماذا قالت فاطمة؟ ماذا صُنع بالمدينة؟" لمحمد حسن زورق)
في آونة التي كان يُدفن جثمان النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الطاهر، كانت في الحقيقة تُدفن معه وصيته حول ولاية علي (علیه السلام). الوصية التي كانت تبيّن طريق المجتمع الإسلامي في حركته السياسية. قدّم النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) _ بالفراسة التي لا يتوقع إلا منه _ عليّا (علیه السلام) كوليّ المؤمنين و لا "الولي المسلمين" و صرّح علی هذه الحقيقة بأنّ الذين أسلموا نتيجة الخضوع للظروف السياسية و يحملون لفظ المُسلم فحسب لا يقبلون ولايته ابدا. و لكن من المتوقع أنّ الذين امنوا بالنبي ايماناً حقيقياً و اعتنقوا ولايته أن يقبلوا ولاية علي (علیه السلام).
في هذه الظروف، رأت فاطمة بأنّه قد فُقِدَ الرسول و وصيّته أو - على الأقل – وصيّة الرسول على وشك الإمحاء في مواجهة تيار إعادة النظر و الرّجعية ، و لو لا يقاوم شخص هذه الفيضانات الهادمة للإيمان سيهدم كل شئ و للأبد.
بالتالي أنّها خاطبت و بکل صلابة الذين قبلوا الإتّفاقيات السياسية و السلطة الجديدة و رفضوا وصايا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في مسجد النبوي:"...نصبر منكم على مثل حز المدى و وخز السنان فی الحشا ..." ما كان يصدّق أحد أنّ بنت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تدافع عن رسالة النبي مثل هذا الدفاع المستميت و لا تدع أيّ فرصة في هذا المجال انطلاقا من مواجهة الرجعيه المباشرة و مروراً بدعوة المهاجرين و الانصار و تواجد الهادف في مسجد النبي و عند مقابر الشهداء و إنتهاءا بإحتجاجات صريحة في الخطب و المقابلات.
على سبيل المثال في أيام الأخيرة من عمرها الشريف قالت لأم سلمة التي جاءت لزيارتها" أصبحت بين كمد و كرب فقد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و ظلم الوصي" .في فرصة أخرى قالت لنسوان المدينة مثل هذه البيانات ولکن بتفصيل أکثر و أکّدت: :.... أصبحت والله عائفة لدنیاکم، قالیة لرجالکم ... ویحهم انی زحزهوها عن رواسی الرسالة و قواعد النبوة و مهبط الوحی و الأمین و الطبین بأمر الدنیا و الدین ... و ما نقموا من أبی الحسن؟ ... والله لو تکافوا عن زمام نبذه رسول الله الیه لا عتلقة، و لسار بهم سیرا سجحا ... و لفتحت علیهم برکات من السماء و الأرض .."
وفي النهاية قد سُمعت عنها كلمات كآخر لهيب الشمعة التي كانت على وشك الإنطفاء: "... ألا هلم فاسمع و ما عشت أراك الدهر عجبا ... استبدلوا و الله الذنابى بالقوادم و العجز بالكاهل." فاطمة (علیها السلام) أغتنمت أی فرصة لتحذير الناس و هم إمّا أنكروا تحذيرها و إمّا مافهموا. و كانت تفكّر في أجيال القادمة. ماذا يُصنع بهم؟ كيف يمكن تحذيرهم؟ كيف يمكن محادثتهم؟ كيف يمكن إخبارهم بأنّ رسالة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعده أصبحت ضحية مؤامراة و حب الرئاسة و انتهازية بعض الأشخاص الذين كانو يريدون الإسلام لأنفسهم وايضا أصبحت ضحية جهالة الناس و سذاجتهم. كيف يمكن توصيل صرخة الإحتجاج إلى آذان التأريخ؟ علي فكرة، هل من أداة في متناول الفاطمة لتوصيل إحتجاجها إلى آذان الشعوب و الأجيال و الأعصار في حين کانت فاطمة (علیها السلام) تمُنع عن حقّها في البكاء على فقدان رسالة و الرسول.
بإمكاننا أن نسمع صرخة إحتجاج فاطمة في وصيّة قصيرة من بين صفحات التاريخ:
"بسم الله الرحمن الرحیم
هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول اللّه (صلی الله علیه و آله و سلم) أوصت و هي تشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّداً عبده و رسوله و أنّ الجنّة حقٌّ و النّار حقٌّ و أنّ السّاعة آتيةٌ لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور.
يا عليّ أنا فاطمة بنت محمّدٍ. زوّجني اللّه منك لأكون لك في الدّنيا و الآخرة أنت أولى بي من غيري حنّطني و غسّلني و كفّنّي باللّيل و صلّ عليّ و ادفنّي باللّيل و لا تعلم أحداً و أستودعك اللّه و أقرأ على ولدي السّلام إلى يوم القيامة."قد أوصت فاطمة أن يُدفن جثمانها سرّيّا. إختفاء مزار فاطمة في الحقيقة رسالتها إلى التاريخ. رسالتها إلى المسلمين للأبد. للتوصيل هذه الرسالة إلى الأجيال و الأعصار مدی التاريخ لابدّ أن يُدفن جثمانها الطاهر سرّيّا حتى يبحث الناس سرّ عنوان قبرها المجهول في حياتها، أحزانها و إحتجاجاتها الدائمة على الرجعية و الإستبداد و يلقون عبر هذه المنفذة نظرة جديدة إلى تأريخ الإسلام و مصيرة المسلمين.
و هكذا خلقت فاطمة من الموت الحياة، من الهزيمة، النجاح ، من الفاجعة ،الملحمة الفاخرة و من هدوئها الأبدي حركة مستمرة و الثورة الجياشة في كل الأعصار و الأجيال عبر القرون. و لايزال يخفق قلبها لمصيرة مسلمي العالم و ترنو إلى عَلَم يهتزّ يوما لإنقاذ المظلومين و للدفاع عن الاسلام و إحياء مدينة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على يدي إبنها المهدي المنتظر (عج الله تعالی فرجه الشريف).
و اليوم من يقلق للعناء الانسان المظلوم لابدّ أن يفكّر في سرّ قبر فاطمة المجهول، في صدرها الحزينة، في دموعها الغزيرة و في أنينها المحرقة. لابدّ أن يترنّم كلامها و يوصّل رسالتها إلى العالم على سعته.
(مأخوذ من كتاب "المدينة المفقودة. ماذا قالت فاطمة؟ ماذا صُنع بالمدينة؟" لمحمد حسن زورق)