احمد امين
May 20th,2008, 04:19 PM
نظرية الانسان الكامل بين مذاهب علم النفس وآرا صدر المتالهين
ا. علي زينتي
المنهاج العدد42
ترجمة: محمد عبدالرزاق
تمهيد :
لم تكن مسالة الاهتمام بالانسان ودراسة ابعاده ظاهرة مستحدثة وجديدة، بل ان المذاهب والثقافات عنيت بها منذ القدم، فقلما نجد مفكرا او فيلسوفا او منظومة فكرية لم تتطرق بشكل او بخر للانسان، وما يتعلق به من امور((216)).
بعبارة اخرى: ان علم الانسان وان اخذ اليوم طابعا حداثويا، واعتبره البعض من جملة العلوم الحديثة الولادة او انه وليد عصر الاكتشافات، بمعنى ان الانسان يتخذ من المجتمعات البعيدة عن الصناعة الجديدة بغية تحقيق انسانيته، واضعا نصب عينيه عناوين من قبيل: ؟المجتمع المتوحش؟ و ؟البدائي؟ و ؟القبلي؟ و ؟التقليدي؟ واحيانا ؟الامى؟ وغيرها بغية ادرك حقيقة الانسان((217)).
فهذه الدراسة لا تتخذ ذلك المستثنى ولا تبقي على الدائرة الضيقة في الوقت ذاته، فلا نقول ان ذاك العصر هو بدايات علم الانسان، بل ان الامر بات محط اهتمام القدما ابتدا من فلسفات الهند واليونان وعلما القرون الوسطى، وحتى منارات الفكر الاسلامي وعصر النهضة والى يومنا هذا، حيث عني الانسان بدراسة لابعاده الوجودية((218)). اما هدفنا المنشود هنا، فهو لا يتعدى الرغبة الذاتية والطامحة لمعرفة انفسنا، باعتبار ذلك من الفضول المباح.
ويجب ان لا ننسى ان لكل مرحلة من تطور الانسان مفاهيم خاصة بها، وان لكل مفكر ولكل مدرسة فكرية مفاهيمها التي ترتكز عليها، الامر الذي يكشف لنا عبر طياته الراي المختار في علم الانسان لدى كل واحد من الفلاسفة والمذاهب((219)).
ان الانسان بين جسد يشرحه علما الجراحة وبين نفس يدرسها علما النفس، او وصف الفلاسفة لكنهه الوجودي، وما نلمسه نحن اذا ما تاملنا في تفاصيله المادية من مواد كيميائية وانسجة، وما الى ذلك من خلايا معقدة يحاول علما الفسلجة دركها، كل تلك التفاصيل تدل على ان الانسان هو مركب من اعضا ونفس عاقلة ظرفها الزمن وامتداداته((220)).
من هنا، كان لكل رايه في تشخيص ابعاد الانسان، فقيل انه ؟حيوان اجتماعي؟ ، وذهب آخرون الى انه ؟حيوان ذو رمزية؟، وغير هؤلا ممن عرف الانسان بانه ؟حيوان يصنع الالات؟، او انه ؟حيوان ناطق يفكر؟((221))، وهو ذات الاختلاف الدائر بين المذاهب الفكرية، ففي المشرق ياخذ علم الانسان قالبا دينيا، حتى يكاد يمكن القول بان انماط معاني علم الانسان في الشرق متعددة بتعدد الاديان هناك، اما في الغرب فقد خضع هذا المفهوم لثلاث مراحل بين الفلسفة والدين والعلم((222)). وفي الحقيقة لم يخل ذلك الاختلاف من بصمات نوعية الانطباع والفهم للكون والوجود.
من جهة اخرى لا شك ان تعريف الانسان بهذه الغاية ايا كانت الاساليب والرؤى الكونية هو بمثابة نظرية معينة في معرفة الانسان تعنى بوصفه. لكن الى جانب بيان صفات الانسان الوجودية وانفعالاته واستجاباته ودوافعه الكامنة، ثمة رؤية اخرى اهتم بها اتباع علم الانسان سابقا وحاضرا، وهو فيما يتعلق بضروريات الانسان ومحظوراته، وما هو الانسان؟ وكيف يجب ان يكون؟ وما هو الانسان المثالي والكامل؟ بعبارة اخرى، ان الميول والدافع الذاتي نحو تحقيق الكمال هو الذي يدعو الانسان الى درك اوصافه وخصائصه، فيجره الى معرفة ؟الضرورات؟ و؟المحظورات؟ الانسانية، والاطلاع على الانسان النموذجي والمثالي (الانسان الكامل) . والحقيقة ان الرغبة في نيل الكمال ورفع النقص والرذيلة، هي التي تدعو الانسان من اعماقه للبحث عن النموذج المطلوب، لذا يمكن القول ان اهتمام الانسان بالتعرف على هذا النموذج له سابقة تاريخية تمتد بامتداد توالد الميول والرغبة في تحقيق الكمال، الامر الذي دعا الانسان قديما ليتخذ من الوجودات الميتافيزيقية وارباب النوع والابطال الاسطوريين واحيانا الشخصيات التاريخية، قدوة ونموذجا للانسان الكامل.
من هنا، فنحن نلمس في كل الاديان والثقافات آثارا لوجود الانسان الكامل((223)).
نذكر من تلك المذاهب: بوغا، البوذا، كونفوشيوس، ارسطو، زرادشت، افلاطون، ابيكو، نيتشه، ماركس، سارتر، العرفا، المتصوفة، الفلاسفة، وبعض علما النفس المعاصرين ممن تحدث وتطرق لنظرية الانسان الكامل، وقدم مصداقه في ذلك وفقا لرؤيته، وما يحكم عليها من اجوا وطقوس، امثال ؟ارهات؟، ؟كيون تسو؟، ؟الانسان الحر؟، ؟الفيلسوف؟، ؟ الانسان المثالي؟، ؟القطب؟، ؟الشيخ؟، ؟الانسان العظيم؟، ؟خليفة اللّه؟، ؟ الانسان الخلاق؟، ؟صانع ذاته؟، و ؟تحقيق الذات؟، ولعل هذه المسميات تتعدد بتعدد الباحثين في علم الانسان.
وقبل ان نقوم مفهومنا للانسان الكامل وما هي اوصافه، نود التطرق لذلك عند علما النفس، وعند صدر الفلاسفة وشيخ العرفا (صدر المتالهين) للوقوف عن كثب على رايه ومقارنته برا علما النفس.
اهمية علم الانسان في معرفة البشر ان سر ادراك الربوبية ومعرفة الوجود كامن في جوهر معرفة الانسان، وبينما تمحور علم البشرية حول ثلاث نقاط هي معرفة الرب، معرفة الانسان، معرفة الكون((224))، الا ان جميع هذه تعود في حقيقتها لمعرفة الانسان خاصة. وهذا هو معنى كلام الاوليا((225)) والعظما وبعض العلما((226))، حيث اشاروا الى ان معرفة الانسان نفسه من افضل السبل واقربها للوصول الى معرفة حقيقة الوجود المطلقة المقدسة.
نستنتج من هذا، ان نظرة كل عالم ومفكر لاهمية الانسان تتبع مستوى ونوع ادراكه للعالم من حوله. فنحن نرى الفيلسوف المادي عندما ينظر للانسان من منظاره المادي، يصور لنا الانسان كموجود محب للسلطة والدمار، كما ذهب (هيبز) للقول بذئبية الانسان للانسان. اما اذا كانت نظرة العالم معنوية لما يدور من حوله من كونيات، فانه سيصنف الانسان في اعلى درجات الوجود، كما قدم (اسبينوزا) الانسان نموذجا لانسان الرب((227))، او ان يشترط (كي يركه غورد) للوصول الى الكمالات بالمثول امام الرب، ويعرف (سارتر) الانسان بالموجود (المجعول) بنقطة ارتكاز بكينونته لا ارتباط لها بالكون، بحيث لا يمكنه التمييز بين الشر والخير بمفرده((228).
تاسيسا على ذلك، لا يمكن ان يجمع احدهم بين )رؤية مادية للانسان ومعنوية للوجود والطبيعة الميتافيزيقية، وكذلك العكس لا يصح اي برؤية معنوية للانسان مع تفسير مادي للكون والوجود. بعبارة اخرى: ان معرفة كل فرد لنفسه لا بد لها من التاثر بافكاره، ومعتقداته، وهكذا على صعيد علم الانسان لديه.
بعد ان اتضحت اهمية معرفة الانسان، وضرورة تحديد نمط الانسان الكامل باعتباره نموذجا لذلك. ننتقل الان الى تحليل ودراسة الانسان المثالي لدى مذاهب علم النفس ونظريات صدر المتالهين.
الانسان الكامل (السالم) عند المذاهب النفسية المدرسة البنيوية: عندما نتطرق لبحوث علم النفس فنعني بذلك العلم المجرد عن الفلسفة. نعم، كان علماؤه الرواد الاوائل فلاسفة في واقع الامر، لذلك نجد بعض الباحثين في الاصول التاريخية لهذا العلم يجمعون بين آرا الفلاسفة احيانا.
اما علم النفس الحديث فلا يتجاوز عمره المئة عام عندما حددوا موضوع علم النفس، ووضعوا حجره الاساس ليدعموا بذلك استقلاليته عن الفلسفة. لذا لا يعترف الفلاسفة اليوم بتعريف علما النفس لعلمهم((229)). اما اسهامهم برا الفلاسفة في معرض دراسة هذا العلم من الناحية التاريخية، فهو مقتصر بما يرتبط بتاسيس علم النفس الحديث. حيث لا يمكن تجاهل دور العلما في السابق وبحوثهم في ماهية الانسان ونوعه، وما لذلك من تاثير على تطور علم النفس كعلم مستقل وتجريبي غالبا((230)).
اذن، فنحن اذ نتحدث هنا عن علم النفس نعني منه ما اعقب ؟المذهب التربوي؟((231))، الذي يرى اكثر الباحثين في تاريخ علم النفس ان بداياته تعود الى سنة (1880) باعتباره اول مذاهب علم النفس الرسمية، مع وجود اختلاف في الراي حول شخصية مؤسسه او مؤسسيه الحقيقيين، الا ان الجميع اتفق على اهمية ومحورية دور ؟ويلهولم دوانت؟ وتاسيسه لاول مختبر نفساني سنة (1879)، مما منح هذا العلم مكانته بين العلوم الطبيعية الاخرى((232)).
والجدير بالاهتمام من ذلك هو ان علم النفس ظهر بحلته التجريبية في وقت كان الفكر الاوربي تهيمن عليه الاطر ؟الاستدلالية؟ و؟التجربية؟ و ؟المادية؟ ، مما يبين لنا مدى تاثره بتلك الافكار والنزعة الاستكشافية في درك السلوك الانساني وفهم انفعالاته العضوية، لذا فهو عاجز عن تعريف الانسان وتقديمه موضوعا باعتبار خصائصه الوجودية وتعددها. من هنا، تحددت بحوث هذا المذهب بجملة من متعلقات الانسان، او انه لم يلج في تفاصيلها، فبدلا من استيعاب جميع جوانب حياة الانسان اكتفى بدراسة تبلور معلومات الانسان، وتقنين الاصول الحاكمة في معرفته.
لقد اتخذ المذهب البنيوي من التجربة المباشرة في مقابل التجربة غير المباشرة موضوعا له، اي من خلال تقصي تاثر الحواس بالصور الذهنية عبر المحيط الخارجي. حيث ان هدف اتباع هذا المذهب هو نسبة العمليات الادراكية الى العناصر الاصلية، والكشف عن نوع العلاقة الحاصلة بين هذه العناصر والقوانين المرتبطة بها، دون استيعاب سائر جوانب وابعاد الانسان ومعرفته عن هذا الطريق.
بعد ذلك جا ؟المذهب الحيوي الطبعي؟ ليوظف علم النفس فيما يخص الحياة الروحية ورصد ظواهرها وظروفها، فتناول اسس الادراك العضوية في معرفة الادراك البشري. بعبارة اوضح، ان موضوع علم النفس هذه المرة هو عين الادراك وطرق معرفة الانسان، وذلك باسلوب كمي وتجريبي بتسليط الضوء على الانفعالات الفسيلولوجية والحركية الكيميائية برؤية يغلب عليها الطابع البيولوجي.
اذن، فحتى هذا الوقت كان علم النفس في غيبوبة تامة عما عليه الانسان وخصوصياته المعتمدة وابعاده المختلفة. فهؤلا في اقل تقدير تجاهلوا الانسان واستعداداته الكامنة((233)) دون ابقا حيز لفكرة الانسان غير المادي((234)). وكان الانسان ليس سوى الجسد وانفعالاته! المدرسة السلوكية يتضح من تعاريف المذهب السلوكي، وارتكازه على الاتجاه المادي((235))، وتاثره البالغ بالمذهب ؟الحيوي؟((236))، انه لا يمكن مقارنته بمذهب ملا صدرا ؟ ، حيث ان تجاهل البعد الروحي في الانسان بشكل عام بالاضافة للعديد من الجوانب المادية الاخرى، وانحصار ذلك في دراسة السلوك الشخصي الحسي (المثير والاستجابة((237))، لم يبق مجالا لمقارنة هذا المذهب بافكار صدر المتالهين، مما سلبه امكانية تقديم نموذج انساني كامل((238)).
المدرسة التحليلية (التحليل النفسي) بظهور مذهب التحليل النفسي (التعليل النفساني) دخل علم النفس مرحلة جديدة ومؤثرة في نهوضه العلمي، فترك ذلك بصمات واضحة في اكثر من مجال وصعيد((239)). وكانت افكار (فرويد) هي الاكثر تاثيرا على هذا المذهب، حيث كان يصر على رفض اي نوع من انواع التفكير الميتافيزيقي، ودعا لدراسة الكون دراسة علمية بحتة. وهذا هو ذات الالتزام بالدقة العلمية والجنوح نحو الاستدلالية، بالاصرار على ضرورة ايجاد تفسير علمي لكل ظاهرة ميتافيزيقية، لذا تاثر فرويد نظرا لرسالته الجبرية تجاه الانسان برا دارون((240)). وكان ينظر للانسان قبل مجي دارون بانه عبارة عن فصيلة مميزة عن سائر الحيوانات اهم خصائصها هي الروح، بينما تعتبر احدث نظريات دارون الانسان قسما تابعا للطبيعة، وحيوانا كسائر الحيوانات الاخرى.
وهذا يعني ان دراسة الانسان قد اخذت طابعا طبيعيا موضوعها الانسان ذاته، لا من حيث كونه موجودا بخصائص اكبر تعقيدا عن سائر الحيوانات((241)).
ولا شك ان هذا الراي لا يمنع من استخراج النموذج الامثل للانسان فحسب، بل انه يجره للسقوط بين نظريات اتباع هذا المذهب، ناهيك عما نشاهده من مادية مطلقة في آرائهم. وقد تحولت نظرياتهم لدراسة الانسان فيما بعد الى طرق لمعالجة الاضطرابات النفسية، حيث يمكن القول ان هذا المذهب كان منحرفا ومنذ البداية عن غايته الاصلية في علم النفس الى غاية اخرى هي التعليل النفساني، وموضوعها الاختلال في السلوك((242)). في الحقيقة كان مذهب مدرسة التحليل النفسي نوعا ما استمرارا للمذاهب السابقة، فمع انه منح التاصيل لمفهوم اللاشعورية، وقدم انطباعا رومنطيقيا عن الانسان، الا انه لم يتخل عن نظريته المادية في ذلك. فكلا هذين الاتجاهين (المذاهب السابقة ومذهب التحليل النفسي) قدما تفسيرا ماديا وبيولوجيا عن الانسان والوجود، وان وجد اختلاف بينهما في الموضوع، حيث تناولت المذاهب السابقة السلوك المحسوس، واتصف المذهب التحليلي بالرومنطيقية اللاشعورية كدرجة من مراتب النفس((243)).
تاسيسا على ذلك وحتى الان ثمة تفاوت جوهري بين علم النفس الحديث وعلم النفس الفلسفي وآرا الحكما، فحقيقة نظرة علم النفس الحديث للانسان في ان حاله كحال النبات النامي((244)). اذ من الطبيعي صعوبة مقارنة عنصرين مختلفين ذاتا، مضافا لمحدودية رؤية تلك المذاهب في دراسة حقيقة الانسان، متجاهلة ذلك التكامل الذي من الممكن ان يناله الانسان، فتجاهلت بذلك القوة والاستعداد الانساني.
وعليه، فلا تكون نتائج هذه الرؤية الضيقة الا محدودة وسطحية، مما قد يجرها للتخلي عن الهدف الاسمى ورا دراسة وتحليل الصفات الانسانية، حيث ان اقصى مطلوبهم هو تشبيه الانسان بماكنة او بمريض بائس× ليدركوا حقيقته، ففي هذه الحالة لا مناص من تجاهل قوة الانسان واستعداداته. وبذلك يكونوا قد ابتعدوا عن دائرة البحث((245)).
مدرسة الجشطلت على خلاف المدارس السابقة لم تتمتع مدرسة الجشطلت بفلسفة واضحة وصريحة((246))، غير انها كانت مواكبة للفلسفة السائدة لمحل ولادتها (المانيا)، ذلك الاتجاه ؟النسبي الاستدلالي؟ في دراسة الظواهر، من جهة اخرى تدرس الجشطلت الانسان مركبا من جسم وروح، فعارضت بذلك جميع اصول علم النفس السائدة آنذاك((247)).
الا انها لم تتمكن، باعتبارها اول حركة متمردة على التقليد في علم النفس، من التفوق على نظائرها او ان تقدم تعريفا جامعا ومقنعا للانسان، ناهيك عن التاثر الشخصي لجشطلت بالحركات الانسانية والليبرالية الجديدة((248))، واعتماده على ؟النسبية والاستدلالية؟ في نظرياته، الامر الذي يمنع من شمولية هذه المفاهيم لابعاد الانسان، لذا يصعب مقارنتها بافكار ونظريات ملا صدرا ؟، حيث ان فرض النسبية لحقيقة الاشيا، لا يترك لنا مجالا في دراسة الانسان الا مرتبطا بامور اخرى. هذا يعني عدم درك حقيقة الاشيا حتى ذات الانسان× لان طرف المعادلة متغير ليس ثابتا، وبالنتيجة لا تتحقق المعرفة المطلقة((249)). ثم ان تاثر جشطلت بالشعارات الانسانية، وارتباط معرفة الانسان بالمادة، كانت قد ضيقت دائرة دراساته بما يتعلق بوجود الانسان.
وهكذا ظهر علم النفس ذو الاتجاه الانساني، كقوة وعنصر ثالث لعلم النفس في قبال الافكار الضيقة غير الانسانية والعقيمة بزعامة السلوكيين، واتباع التعليل النفساني وغيرهم× ليكون هدفه تقديم تعريف شامل للانسان، لا سيما من ناحية بيان استعداداته كالتفكير والادراك، النمو، التطور، التكامل والتعايش مع مختلف الظروف((250)).
اذن، في هذه المرحلة من تاريخ علم النفس، اصبح بالامكان اجرا التطبيقات والتحليلات على مفهوم الانسان الكامل، فالمذهب الانساني هو الوحيد الذي تصدى للتعريف بحقيقة الانسان، وهي غاية تتجلى ايضا من ورا التحام الحركة الانسانية بعلم النفس الكامل.
مذهب الكمال نظرت مدرسة التكامل لماهية الانسان من نافذة جديدة.
فالانسان عندها مختلف عما هو عليه عند السلوكيين واصحاب التحليل النفسي (التعليل النفساني)، وما كانت عليه من الاشكال التقليدية عند مذاهب علم النفس الاخرى. فلم يعد الانسان مجرد ماكنة او مريض بائس عاجز كما قرره السلوكيون واتباع مدرسة التحليل النفسي، انما المعني هذه المرة هو الطبيعة السلمية له، وما هو اسمى من الاضطراب او الاختلال، تحقيقا للتكامل واليقظة في جوهر الانسان، وتفعيل جميع استعداداته الكامنة.
ومع اعتراف مدرسة التكامل بالعوامل الخارجية كما ذهب اليه السلوكيون والقوى الغريزية كما قال به اصحاب مدرسة التحليل النفسي الا ان التكامليين لا يفرطون بالانسان كضحية لتلك العوامل وتحولاتها. بل، يحتمون على الانسان ان يتغلب على الماضي والطبيعة والمحيط البيئي((251)).
ويتمتع الانسان وفقا لهذه المدرسة بالغرائز الايجابية والسجايا الحميدة، وله ان يطورها. ان نظريات هذه المدرسة لا تتوقف عند ؟الاختلال الحاصل؟ ، بل تتعداه الى مستويات عالية من الكمال الانساني، ويقول اربابهما بلا بدية تفعيل القابليات وتحقيقها. وعندهم سبع نظريات بارزة في وصف وتعريف الانسان الكامل، لكل واحدة وجهتها الخاصة مع وجود قواسم مشتركة فيما بينها.
نشير لها باختصار ثم نفصل القول في اهمها باتفاق الجميع((252)) واشملها((253))، ثم نقارن بينها وبين نظرية ملا صدرا ؟:
1- الانسان الكامل عند ؟غوردن آلبورت؟ (1897 1967) تحت عنوان: ؟الانسان البالغ او الناضج؟.
2- الانسان الكامل عند ؟كارل راجرز؟ (1902 1987) تحت عنوان: ؟الانسان سديد القول والفعل؟.
3- الانسان الكامل عند ؟اريك فروم؟ (1900 1980) تحت عنوان: ؟المنتج؟.
4- الانسان الكامل عند ؟كارل غوستافينغ؟ (1875 1961) وعنوانه: ؟الحائز على الفردية؟.
5- الانسان الكامل عند ؟فكتور فرانكل؟ (1905) بعنوان: ؟ما ورا الذات؟، و؟ذو الجوهر؟.
6- الانسان الكامل عند ؟فريتز برلز؟ (1893 1970) وعنوانه: ؟انسان هذا المكان وذاك الزمان؟.
7- الانسان الكامل عند ؟براهام ماسلو؟ (1907 1970) باسم: ؟الانسان وحاجات التحقق؟ او صاحب التطور الذاتي.
الانسان الكامل عند براهام ماسلو سنتناول رؤية هذا العالم تجاه الانسان الكامل من خلال ثلاثة محاور رئيسة هي اسلوبه وهدفه، تعريفه للانسان، وخصائص الانسان الكامل من وجهة نظره: اولا اسلوبه وهدفه من معرفة الانسان الكامل ان هدف (ماسلو) من معرفة الانسان ودراسته هو صقل الشخصية السليمة وتعريفها، ولتسليط الضوء على استعداداتها الكامنة وتحريرها، كي يتضح مدى قدرة الانسان في نيل الكمال وتنمية نفسه ذاتيا. وباختصار فان هدفه تشخيص ما يمكن للانسان ان يكون عليه لا ما كان عليه او ما هو عليه الان((254)).
اما تحقيق ذلك الهدف فكان عن طريق تقويم النفس لدى من يتوفر عندهم استعداد ذلك.
لقد لام (ماسلو) على (فرويد) وغيره ممن حاولوا تحديد ماهية الانسان عن طريق رصد ؟النفس المضطربة؟ و ؟المتذبذبة؟، وكان يعتقد ان ذلك يقودنا لاعلال الاصحا من البشر. لذا كان يقول بتخير النموذج السالم والبالغ في دراسة الانسان، فلا يمكننا مثلا رصد قدرة الفرد على العدو عن طريق المعاقين جسديا، بل لا بد من تسليط الضوء على افضل العدائين واسرعهم. وهذا هو ذات التفكير الذي دعا (ماسلو) ليتخذ اثنين من خيرة اساتذته هما (ماكس فرتاهمر) مدرسة الجشطلت و (راوث بنديكت) علم الانسان كنموذجين بارزين للانسان الناضج× ليشكل ذلك حجر الاساس في مطالعاته النفسية× ذلك لانه كان يعتقد بانهما من افضل مصاديق البشر، فانشغل طيلة الوقت بمشاهدة سلوكهما حتى وصل الى القول بانهما يتميزان بصفات يفتقدها عامة الناس.
وقد خلقت هذه المحصلة لدى (ماسلو) رغبة ليكون سلسلة من تسعة واربعين شخصا ممن كان يتمتع ظاهريا بالنضج النفسي كان منهم الحي والمتوفى، الا انه كان يعتقد بانهم يمثلون المصداق الابرز للشخصية النامية. ومع هذا فان (ماسلو) وظف اساليبه كالمشافهة، والتداعي الحر، وتحليل السير الذاتية لمشاهيره((255))، حتى توصل الى وصف مطلوب ومقبول للانسان عنده.
ثانيا حقيقة الانسان عند ماسلو يمكن تلخيص حقيقة الانسان عند ماسلو عبر النقاط التالية:
1- ان الطبيعة البنيوية النفسية لدى الانسان تشبه الى حد كبير تركيبة جسمه، اي ان النفس البشرية لها ايضا حاجاتها وميولاتها ؟المثيرات؟ التي تحدد عن طريق الوراثة. بعضها من ذاتيات الانسان لا ارتباط لها بالحيثيات، والبعض الاخر مختص ببعض الافراد دون غيرهم. اما الفطرة الانسانية فهي في الاصل موافقة او على الاقل مسالمة وليست متمردة على الاجتماع((256)).
2- ان لكل انسان ميولا ذاتية في تحقيق ذاته، اي ان كل الناس يولدون مع مجموعة من ؟الحاجات شبه الغريزية؟ من شانها ايجاد الدافع ورا تحقيق الكمال في ذات الانسان، وترغيبه لنيل ما هو ضمن امكاناته. فالانسان يولد وتولد معه القوة على الكمال وصقل النفس، ومتى ما شقت هذه الفطرة طريقها الصحيح، تحقق النضج والنمو السليم، وتوافرت القابليات بحسبها.
3- ان المرض النفسي وكل انواع الاضطرابات هي نتيجة للحرمان ومسخ الفطرة الانسانية، لذا فكل ما يصب في مصلحة التكامل الفطري هو صحيح، وكل ما يعيق ذلك سقيم وشاذ((257)).
4 يؤكد (ماسلو) على خصوصيات الافراد الوجودية وقدراتهم في اطار القاعدة السليمة. على اعتبارها عناصر للاكتفا الذاتي والابداعات. فهو يرى بان الدوافع البشرية لهذه الحركة هي تلك الحاجات المشتركة والفطرية بين الافراد، والتي قدمها في شكل هرمي تبدا بالاهم فالمهم.
اما الشرط الاساس في الوصول للانسان المثالي تحقيق الذات هو توفر اربع نقاط من الحاجات تترتب من الاسفل الى الاعلى((258))، وتتشكل هذه الحاجات من الترتيب الاتي: الحاجات العضوية، حاجات الامان، حاجات الحب والقبول، حاجات الاحترام وتحقيق الذات، فان النقص يسد بواسطة الحاجات الاولية والاساسية، ويتحقق النمو والكمال بواسطة الحاجات السامية، فان لم يؤمن الجانبان سيكون الفرد في معرض الاعلال والسقم.
ان السعي ورا تحصيل السلامة النفسية، ومعرفة الهوية، وتحقيق القبول والرغبة في التكامل الانساني هو من اسمى الدوافع في الانسان.
ثالثا خصائص الانسان الكامل عند ماسلو يقسم (ماسلو) مميزات الانسان الساعي ورا تحقيق الذات((259)) الانسان الكامل الى نوعين: الخصائص العامة: وهي عند اولئك الذين يرغبون في تحقق ذواتهم على قسمين:
1- ان يكونوا قد حققوا الحاجات في الطبقات السفلى، اي الحاجات العضوية والامنية، وحاجات الانتساب والقبول، والحب والاحترام، فهم في مرحلة النضج المطلوب مستفيدين من امكاناتهم المتوفرة لديهم ليحققوا ذواتهم.
2- ان يكونوا على رغبة في تحقيق الذات كهولة وشيخوخة، حيث يرى (ماسلو) في الشباب عدم توفر الشخصية المطلوبة والمستقلة، وانهم لم يصلوا بعد لصلات الحب المتينة.
الخصائص الخاصة: وهي كما يلي:
1- التشخيص الصحيح للحقائق يعتقد (ماسلو) بضرورة درك الانسان الساعي ورا تحقيق ذاته لما حوله ويطلق على هذا الادراك اسم ؟المعرفة الوجودية؟. فعلى الانسان رؤية الكون كما هو عليه لا كما هو يريده ان يكون، لذا يجب ان يكون، حكمه على ذاته وعلى الاخرين دقيقا وسليما، الامر الذي يلقي بظلاله على سائر جوانب حياته، كمجال الفن والموسيقى والروابط الفكرية والسياسية والعلمية. بينما ينظر الانسان الشاذ للعالم وما فيه حسب ما يملي عليه فكره الخاص، لا كما هي الحقيقة خارجا.
2- تقبل الذات والاخرين
3- الفطرة والبساطة لا بد من بروز الطابع الفطري الطبيعي على تصرفات الفرد الراغب في تحقيق ذاته على جميع الاصعدة بعيدا عن العصبية والتظاهر، اي بدون كبت للعواطف والانفعالات، بل يجب ان يتصرف الانسان حسب طبيعته وبانسيابية تامة، مع مراعاة الاخرين من حوله.
4- الاهتمام بما هو خارج عن الذات (الالتزام بواجبات الحياة) يرى (ماسلو) في اولئك الذين يسعون لتحقيق ذواتهم صفة الالتزام والتعهد بتادية واجباتهم الناجزة، حيث انهم قد يبذلون قصارى جهودهم بغية تنفيذ العهود والواجبات، مع رغبة جامحة في انجاز ذلك، كونه متناسبا مع طبيعتهم.
ويعزو (ماسلو) الامر الى دافع الايثار والتفاني تجاه ما هو ورا الحاجات. من هنا يؤدي كل فرد واجبه طلبا للحقيقة لا طلبا في الشهرة والقدرة وغير ذلك... فهم ليسوا راضين بذلك فحسب، بل راغبون فيه ايضا.
5- الرغبة في الوحدة والاستقلال يعتقد (ماسلو) بان الانسان الكامل بامس الحاجة للعزلة والانفراد. فانه وان لم يهجر الناس، الا انه في غنى عنهم سوا في ارضائهم او منزلتهم، فتصرفاتهم تعود لهم، اما هو فيخوض تجربته باستقلالية تامة ودون الحاجة اليهم.
6- التحرر في الادا وهذه الميزة لها ارتباط وثيق بسابقتها، ويعتقد (ماسلو) بان طالب الكمال بما انه لا يفتقد للدافع ليس بحاجة في تحقيق القبول للاخرين والامور الدنيوية، فاحساس الثقة بالذات والاستقلالية تجعله صامدا بوجه المازق والتحديات، دون الشعور بالغبن تجاه نقاط الحرمان الحاصلة احيانا.
7- الحيوية الدائمة في تجارب الحياة (الاستمتاع بالحياة والاستمرار في تطويرها) الانسان الكامل يبقى ممارسا لتجاربه الناجحة برغبة دائمة ومتعة ورا تجددها، دون ملل او عجز في الاستمرار والمواصلة.
8- التجارب السامية او العرفانية (القدرة الداخلية في التامل بما ورا العناصر) قد يخوض الانسان الكامل تجارب سارة او محيرة، كالتجارب الدينية المعمقة، مما تكسبه هذه التجارب عزما وقوة وثقة بالنفس، حتى يخيل له امكانية القيام باي عمل شا. ولا شك ان مستوى التجارب السامية ليس واحدا، فكلما كان الانسان سليما كلما ازداد تفاعله مع تلك التجارب. فماسلو يقسم الانسان الكامل من حيث القدرة وكميتها الى ؟الانسان الكامل والسالم؟ اي سالم تماما ، و؟الانسان الشاذ؟.
9- الروح الانسانية يتحلى الانسان الكامل عند (ماسلو) بصفة المودة لاخيه الانسان، وتقديم سبل العون على طريق الانسانية، معتبرا نفسه واحدا من عناصر هذه الاسرة الكبيرة، التي تجمعها اواصر القربى والمحبة والخلقة.
10- تبادل العلاقات الفردية والاجتماعية يعتقد (ماسلو) بضرورة تميز الانسان الكامل بمستوى من العلاقات يفوق معدل ما هو لدى الغير في هذا الجانب× فعليه ان يبرز مودته العميقة تجاه الاخرين، وان يسايرهم في حياتهم، وخصوصا مع الصغار والرفق بهم، مع امكانية التشدد لمدة محدودة ومع افراد معينين مع المغرضين من الناس.
11- اسلوب المعايشة (الاتجاه الديمقراطي) تتوحد نظرة الانسان الكامل لسائر الافراد دون تمييز، مع اختلاف مستوياتهم العلمية والعرقية او الدينية، ولا تشكل هذه الامور فروقا عنده، ولا يعير لها بالا.
12- الفصل بين الغاية والوسيلة والخير والشر حيث يجدر بمن وصلوا درجات الكمال ان يميزوا بين الغاية والوسيلة تمييزا جليا. فالهدف عندهم اهم بكثير من الوسيلة وسبل تحقيقه.
فهم متحمسون تجاه ؟التنفيذ؟، و؟طي الطريق؟ بنفس المستوى او اكثر من الرغبة في تحقيق الهدف وبلوغ المراد. وهم كذلك يميزون بين الصحيح والخطا والخير والشر دون حيرة او ترديد.
13- ليونة الطباع حكميا (العطف والبشاشة) تمتاز صفة التندر والممازحة لدى الانسان الكامل عن غيره بتغلب الطابع الحكمي عليها، دون سمة العدا والبغضا او نزعة السيادة على الاخرين، مع شمولية هذا النوع من المعاملة لعامة الافراد دون تمييز.
14- الابداع لا بد ان يتميز ادا الراغبين في تحقيق الكمال بالابداع والخلق، فهم مبدعون مع حفاظهم على الاصالة في نفس الوقت، وهذا لا يقتصر على جانب التاليف والخطابة والفنون فحسب، بل ان الابداع هو سمة ونزعة تنم عن سلامة النفس وزهوها ومواكبتها لمتطلبات العصر.
15- التمسك بالقوانين والاداب والصمود حيال العرف الاجتماعي (مقاومة الثقافات) يتعين على الذين يحاولون الوصول الى كمالاتهم ان يكونوا بمستوى من الاستقلال الذاتي، والمقاومة للتيارات الاجتماعية، مع تمسكهم بالاصول الثابتة، متحملين في ذلك معاناة الاستقلال الداخلي، والانفصال عن المجتمع احيانا. نعم، هذا لا يعني محاربة ثقافة المجتمع او تنفيذها وعصيانها، بل انهم يتعاملون مع ما يرفضونه بالحكمة والتدبير، وقد يعلنون مخالفتهم ان لزم الامر((260)).
مناقشة نظرية ؟ماسلو؟ سنتناول دراسة النظرية بحسب الترتيب الذي سردناه لها آنفا، اي بالاسلوب والغاية، ثم نظرته تجاه حقيقة الانسان، واخيرا الخصائص التي وضعها لطالبالكمال:
1- الغاية والوسيلة عند ماسلو: فعلاوة على افتقار اسلوبه للمنهج العلمي والتجريبي ثمة اشكالية واضحة كما يقول ماسلو نفسه في ملاك تخير مثله ومصاديق نظريته. فما هي الاسس التي استند اليها في ذلك؟ ويقول في هذا الصدد: ؟لقد راجعنا الاصول الرئيسة مرارا× اي بدانا من الخصوصيات الفردية الثقافية، ومن ثم مقارنة النتائج مع واقع الحال بالنسبة لعامة الناس؟، فماسلو هو من وضع بعض الملاكات بنفسه، والبعض الاخر ما يمليه العرف العام عليه.
ويقول ايضا: ؟لقد تم اختيار الطليعة الاولى من الافراد (موضوعا للنظرية) وفقا للخطوط العامة بعد اجرا التعديل عليها؟ ((261)).
تاسيسا على ذلك، يكون ملاكه في تحديد الانسان الكامل المطلوب ملاكا موضوعيا ومحددا مسبقا، في حين ان مصداقيته غير معينة وثابتة. و لم تحدد صلاحية هذا الملاك ايضا، مع الاخذ بعين الاعتبار الصعوبة الموجودة في معرفة كنه الانسان والوصول لحقائقه، فكيف يمكن ادراك غاية الانسان القصوى عن طريق ملاك وضعي فردي او اجتماعي؟ ولعل كلام (شولتز) في هذا الصدد هو خير مؤيد لما نحن فيه: ؟ملاحظتي الاخرى هي بخصوص ملاك ماسلو في تخير افراده ومصاديق الراغبين في تحقيق ذواتهم× فلم يفصح ماسلو عن نوعية هذا الملاك وحقيقته. فقد يكون تخيرهم استجابة لرغبات كامنة او ميولات جارفة، فكان تفضيله لهم غير واقع؟((262)) .
يتبع..
ا. علي زينتي
المنهاج العدد42
ترجمة: محمد عبدالرزاق
تمهيد :
لم تكن مسالة الاهتمام بالانسان ودراسة ابعاده ظاهرة مستحدثة وجديدة، بل ان المذاهب والثقافات عنيت بها منذ القدم، فقلما نجد مفكرا او فيلسوفا او منظومة فكرية لم تتطرق بشكل او بخر للانسان، وما يتعلق به من امور((216)).
بعبارة اخرى: ان علم الانسان وان اخذ اليوم طابعا حداثويا، واعتبره البعض من جملة العلوم الحديثة الولادة او انه وليد عصر الاكتشافات، بمعنى ان الانسان يتخذ من المجتمعات البعيدة عن الصناعة الجديدة بغية تحقيق انسانيته، واضعا نصب عينيه عناوين من قبيل: ؟المجتمع المتوحش؟ و ؟البدائي؟ و ؟القبلي؟ و ؟التقليدي؟ واحيانا ؟الامى؟ وغيرها بغية ادرك حقيقة الانسان((217)).
فهذه الدراسة لا تتخذ ذلك المستثنى ولا تبقي على الدائرة الضيقة في الوقت ذاته، فلا نقول ان ذاك العصر هو بدايات علم الانسان، بل ان الامر بات محط اهتمام القدما ابتدا من فلسفات الهند واليونان وعلما القرون الوسطى، وحتى منارات الفكر الاسلامي وعصر النهضة والى يومنا هذا، حيث عني الانسان بدراسة لابعاده الوجودية((218)). اما هدفنا المنشود هنا، فهو لا يتعدى الرغبة الذاتية والطامحة لمعرفة انفسنا، باعتبار ذلك من الفضول المباح.
ويجب ان لا ننسى ان لكل مرحلة من تطور الانسان مفاهيم خاصة بها، وان لكل مفكر ولكل مدرسة فكرية مفاهيمها التي ترتكز عليها، الامر الذي يكشف لنا عبر طياته الراي المختار في علم الانسان لدى كل واحد من الفلاسفة والمذاهب((219)).
ان الانسان بين جسد يشرحه علما الجراحة وبين نفس يدرسها علما النفس، او وصف الفلاسفة لكنهه الوجودي، وما نلمسه نحن اذا ما تاملنا في تفاصيله المادية من مواد كيميائية وانسجة، وما الى ذلك من خلايا معقدة يحاول علما الفسلجة دركها، كل تلك التفاصيل تدل على ان الانسان هو مركب من اعضا ونفس عاقلة ظرفها الزمن وامتداداته((220)).
من هنا، كان لكل رايه في تشخيص ابعاد الانسان، فقيل انه ؟حيوان اجتماعي؟ ، وذهب آخرون الى انه ؟حيوان ذو رمزية؟، وغير هؤلا ممن عرف الانسان بانه ؟حيوان يصنع الالات؟، او انه ؟حيوان ناطق يفكر؟((221))، وهو ذات الاختلاف الدائر بين المذاهب الفكرية، ففي المشرق ياخذ علم الانسان قالبا دينيا، حتى يكاد يمكن القول بان انماط معاني علم الانسان في الشرق متعددة بتعدد الاديان هناك، اما في الغرب فقد خضع هذا المفهوم لثلاث مراحل بين الفلسفة والدين والعلم((222)). وفي الحقيقة لم يخل ذلك الاختلاف من بصمات نوعية الانطباع والفهم للكون والوجود.
من جهة اخرى لا شك ان تعريف الانسان بهذه الغاية ايا كانت الاساليب والرؤى الكونية هو بمثابة نظرية معينة في معرفة الانسان تعنى بوصفه. لكن الى جانب بيان صفات الانسان الوجودية وانفعالاته واستجاباته ودوافعه الكامنة، ثمة رؤية اخرى اهتم بها اتباع علم الانسان سابقا وحاضرا، وهو فيما يتعلق بضروريات الانسان ومحظوراته، وما هو الانسان؟ وكيف يجب ان يكون؟ وما هو الانسان المثالي والكامل؟ بعبارة اخرى، ان الميول والدافع الذاتي نحو تحقيق الكمال هو الذي يدعو الانسان الى درك اوصافه وخصائصه، فيجره الى معرفة ؟الضرورات؟ و؟المحظورات؟ الانسانية، والاطلاع على الانسان النموذجي والمثالي (الانسان الكامل) . والحقيقة ان الرغبة في نيل الكمال ورفع النقص والرذيلة، هي التي تدعو الانسان من اعماقه للبحث عن النموذج المطلوب، لذا يمكن القول ان اهتمام الانسان بالتعرف على هذا النموذج له سابقة تاريخية تمتد بامتداد توالد الميول والرغبة في تحقيق الكمال، الامر الذي دعا الانسان قديما ليتخذ من الوجودات الميتافيزيقية وارباب النوع والابطال الاسطوريين واحيانا الشخصيات التاريخية، قدوة ونموذجا للانسان الكامل.
من هنا، فنحن نلمس في كل الاديان والثقافات آثارا لوجود الانسان الكامل((223)).
نذكر من تلك المذاهب: بوغا، البوذا، كونفوشيوس، ارسطو، زرادشت، افلاطون، ابيكو، نيتشه، ماركس، سارتر، العرفا، المتصوفة، الفلاسفة، وبعض علما النفس المعاصرين ممن تحدث وتطرق لنظرية الانسان الكامل، وقدم مصداقه في ذلك وفقا لرؤيته، وما يحكم عليها من اجوا وطقوس، امثال ؟ارهات؟، ؟كيون تسو؟، ؟الانسان الحر؟، ؟الفيلسوف؟، ؟ الانسان المثالي؟، ؟القطب؟، ؟الشيخ؟، ؟الانسان العظيم؟، ؟خليفة اللّه؟، ؟ الانسان الخلاق؟، ؟صانع ذاته؟، و ؟تحقيق الذات؟، ولعل هذه المسميات تتعدد بتعدد الباحثين في علم الانسان.
وقبل ان نقوم مفهومنا للانسان الكامل وما هي اوصافه، نود التطرق لذلك عند علما النفس، وعند صدر الفلاسفة وشيخ العرفا (صدر المتالهين) للوقوف عن كثب على رايه ومقارنته برا علما النفس.
اهمية علم الانسان في معرفة البشر ان سر ادراك الربوبية ومعرفة الوجود كامن في جوهر معرفة الانسان، وبينما تمحور علم البشرية حول ثلاث نقاط هي معرفة الرب، معرفة الانسان، معرفة الكون((224))، الا ان جميع هذه تعود في حقيقتها لمعرفة الانسان خاصة. وهذا هو معنى كلام الاوليا((225)) والعظما وبعض العلما((226))، حيث اشاروا الى ان معرفة الانسان نفسه من افضل السبل واقربها للوصول الى معرفة حقيقة الوجود المطلقة المقدسة.
نستنتج من هذا، ان نظرة كل عالم ومفكر لاهمية الانسان تتبع مستوى ونوع ادراكه للعالم من حوله. فنحن نرى الفيلسوف المادي عندما ينظر للانسان من منظاره المادي، يصور لنا الانسان كموجود محب للسلطة والدمار، كما ذهب (هيبز) للقول بذئبية الانسان للانسان. اما اذا كانت نظرة العالم معنوية لما يدور من حوله من كونيات، فانه سيصنف الانسان في اعلى درجات الوجود، كما قدم (اسبينوزا) الانسان نموذجا لانسان الرب((227))، او ان يشترط (كي يركه غورد) للوصول الى الكمالات بالمثول امام الرب، ويعرف (سارتر) الانسان بالموجود (المجعول) بنقطة ارتكاز بكينونته لا ارتباط لها بالكون، بحيث لا يمكنه التمييز بين الشر والخير بمفرده((228).
تاسيسا على ذلك، لا يمكن ان يجمع احدهم بين )رؤية مادية للانسان ومعنوية للوجود والطبيعة الميتافيزيقية، وكذلك العكس لا يصح اي برؤية معنوية للانسان مع تفسير مادي للكون والوجود. بعبارة اخرى: ان معرفة كل فرد لنفسه لا بد لها من التاثر بافكاره، ومعتقداته، وهكذا على صعيد علم الانسان لديه.
بعد ان اتضحت اهمية معرفة الانسان، وضرورة تحديد نمط الانسان الكامل باعتباره نموذجا لذلك. ننتقل الان الى تحليل ودراسة الانسان المثالي لدى مذاهب علم النفس ونظريات صدر المتالهين.
الانسان الكامل (السالم) عند المذاهب النفسية المدرسة البنيوية: عندما نتطرق لبحوث علم النفس فنعني بذلك العلم المجرد عن الفلسفة. نعم، كان علماؤه الرواد الاوائل فلاسفة في واقع الامر، لذلك نجد بعض الباحثين في الاصول التاريخية لهذا العلم يجمعون بين آرا الفلاسفة احيانا.
اما علم النفس الحديث فلا يتجاوز عمره المئة عام عندما حددوا موضوع علم النفس، ووضعوا حجره الاساس ليدعموا بذلك استقلاليته عن الفلسفة. لذا لا يعترف الفلاسفة اليوم بتعريف علما النفس لعلمهم((229)). اما اسهامهم برا الفلاسفة في معرض دراسة هذا العلم من الناحية التاريخية، فهو مقتصر بما يرتبط بتاسيس علم النفس الحديث. حيث لا يمكن تجاهل دور العلما في السابق وبحوثهم في ماهية الانسان ونوعه، وما لذلك من تاثير على تطور علم النفس كعلم مستقل وتجريبي غالبا((230)).
اذن، فنحن اذ نتحدث هنا عن علم النفس نعني منه ما اعقب ؟المذهب التربوي؟((231))، الذي يرى اكثر الباحثين في تاريخ علم النفس ان بداياته تعود الى سنة (1880) باعتباره اول مذاهب علم النفس الرسمية، مع وجود اختلاف في الراي حول شخصية مؤسسه او مؤسسيه الحقيقيين، الا ان الجميع اتفق على اهمية ومحورية دور ؟ويلهولم دوانت؟ وتاسيسه لاول مختبر نفساني سنة (1879)، مما منح هذا العلم مكانته بين العلوم الطبيعية الاخرى((232)).
والجدير بالاهتمام من ذلك هو ان علم النفس ظهر بحلته التجريبية في وقت كان الفكر الاوربي تهيمن عليه الاطر ؟الاستدلالية؟ و؟التجربية؟ و ؟المادية؟ ، مما يبين لنا مدى تاثره بتلك الافكار والنزعة الاستكشافية في درك السلوك الانساني وفهم انفعالاته العضوية، لذا فهو عاجز عن تعريف الانسان وتقديمه موضوعا باعتبار خصائصه الوجودية وتعددها. من هنا، تحددت بحوث هذا المذهب بجملة من متعلقات الانسان، او انه لم يلج في تفاصيلها، فبدلا من استيعاب جميع جوانب حياة الانسان اكتفى بدراسة تبلور معلومات الانسان، وتقنين الاصول الحاكمة في معرفته.
لقد اتخذ المذهب البنيوي من التجربة المباشرة في مقابل التجربة غير المباشرة موضوعا له، اي من خلال تقصي تاثر الحواس بالصور الذهنية عبر المحيط الخارجي. حيث ان هدف اتباع هذا المذهب هو نسبة العمليات الادراكية الى العناصر الاصلية، والكشف عن نوع العلاقة الحاصلة بين هذه العناصر والقوانين المرتبطة بها، دون استيعاب سائر جوانب وابعاد الانسان ومعرفته عن هذا الطريق.
بعد ذلك جا ؟المذهب الحيوي الطبعي؟ ليوظف علم النفس فيما يخص الحياة الروحية ورصد ظواهرها وظروفها، فتناول اسس الادراك العضوية في معرفة الادراك البشري. بعبارة اوضح، ان موضوع علم النفس هذه المرة هو عين الادراك وطرق معرفة الانسان، وذلك باسلوب كمي وتجريبي بتسليط الضوء على الانفعالات الفسيلولوجية والحركية الكيميائية برؤية يغلب عليها الطابع البيولوجي.
اذن، فحتى هذا الوقت كان علم النفس في غيبوبة تامة عما عليه الانسان وخصوصياته المعتمدة وابعاده المختلفة. فهؤلا في اقل تقدير تجاهلوا الانسان واستعداداته الكامنة((233)) دون ابقا حيز لفكرة الانسان غير المادي((234)). وكان الانسان ليس سوى الجسد وانفعالاته! المدرسة السلوكية يتضح من تعاريف المذهب السلوكي، وارتكازه على الاتجاه المادي((235))، وتاثره البالغ بالمذهب ؟الحيوي؟((236))، انه لا يمكن مقارنته بمذهب ملا صدرا ؟ ، حيث ان تجاهل البعد الروحي في الانسان بشكل عام بالاضافة للعديد من الجوانب المادية الاخرى، وانحصار ذلك في دراسة السلوك الشخصي الحسي (المثير والاستجابة((237))، لم يبق مجالا لمقارنة هذا المذهب بافكار صدر المتالهين، مما سلبه امكانية تقديم نموذج انساني كامل((238)).
المدرسة التحليلية (التحليل النفسي) بظهور مذهب التحليل النفسي (التعليل النفساني) دخل علم النفس مرحلة جديدة ومؤثرة في نهوضه العلمي، فترك ذلك بصمات واضحة في اكثر من مجال وصعيد((239)). وكانت افكار (فرويد) هي الاكثر تاثيرا على هذا المذهب، حيث كان يصر على رفض اي نوع من انواع التفكير الميتافيزيقي، ودعا لدراسة الكون دراسة علمية بحتة. وهذا هو ذات الالتزام بالدقة العلمية والجنوح نحو الاستدلالية، بالاصرار على ضرورة ايجاد تفسير علمي لكل ظاهرة ميتافيزيقية، لذا تاثر فرويد نظرا لرسالته الجبرية تجاه الانسان برا دارون((240)). وكان ينظر للانسان قبل مجي دارون بانه عبارة عن فصيلة مميزة عن سائر الحيوانات اهم خصائصها هي الروح، بينما تعتبر احدث نظريات دارون الانسان قسما تابعا للطبيعة، وحيوانا كسائر الحيوانات الاخرى.
وهذا يعني ان دراسة الانسان قد اخذت طابعا طبيعيا موضوعها الانسان ذاته، لا من حيث كونه موجودا بخصائص اكبر تعقيدا عن سائر الحيوانات((241)).
ولا شك ان هذا الراي لا يمنع من استخراج النموذج الامثل للانسان فحسب، بل انه يجره للسقوط بين نظريات اتباع هذا المذهب، ناهيك عما نشاهده من مادية مطلقة في آرائهم. وقد تحولت نظرياتهم لدراسة الانسان فيما بعد الى طرق لمعالجة الاضطرابات النفسية، حيث يمكن القول ان هذا المذهب كان منحرفا ومنذ البداية عن غايته الاصلية في علم النفس الى غاية اخرى هي التعليل النفساني، وموضوعها الاختلال في السلوك((242)). في الحقيقة كان مذهب مدرسة التحليل النفسي نوعا ما استمرارا للمذاهب السابقة، فمع انه منح التاصيل لمفهوم اللاشعورية، وقدم انطباعا رومنطيقيا عن الانسان، الا انه لم يتخل عن نظريته المادية في ذلك. فكلا هذين الاتجاهين (المذاهب السابقة ومذهب التحليل النفسي) قدما تفسيرا ماديا وبيولوجيا عن الانسان والوجود، وان وجد اختلاف بينهما في الموضوع، حيث تناولت المذاهب السابقة السلوك المحسوس، واتصف المذهب التحليلي بالرومنطيقية اللاشعورية كدرجة من مراتب النفس((243)).
تاسيسا على ذلك وحتى الان ثمة تفاوت جوهري بين علم النفس الحديث وعلم النفس الفلسفي وآرا الحكما، فحقيقة نظرة علم النفس الحديث للانسان في ان حاله كحال النبات النامي((244)). اذ من الطبيعي صعوبة مقارنة عنصرين مختلفين ذاتا، مضافا لمحدودية رؤية تلك المذاهب في دراسة حقيقة الانسان، متجاهلة ذلك التكامل الذي من الممكن ان يناله الانسان، فتجاهلت بذلك القوة والاستعداد الانساني.
وعليه، فلا تكون نتائج هذه الرؤية الضيقة الا محدودة وسطحية، مما قد يجرها للتخلي عن الهدف الاسمى ورا دراسة وتحليل الصفات الانسانية، حيث ان اقصى مطلوبهم هو تشبيه الانسان بماكنة او بمريض بائس× ليدركوا حقيقته، ففي هذه الحالة لا مناص من تجاهل قوة الانسان واستعداداته. وبذلك يكونوا قد ابتعدوا عن دائرة البحث((245)).
مدرسة الجشطلت على خلاف المدارس السابقة لم تتمتع مدرسة الجشطلت بفلسفة واضحة وصريحة((246))، غير انها كانت مواكبة للفلسفة السائدة لمحل ولادتها (المانيا)، ذلك الاتجاه ؟النسبي الاستدلالي؟ في دراسة الظواهر، من جهة اخرى تدرس الجشطلت الانسان مركبا من جسم وروح، فعارضت بذلك جميع اصول علم النفس السائدة آنذاك((247)).
الا انها لم تتمكن، باعتبارها اول حركة متمردة على التقليد في علم النفس، من التفوق على نظائرها او ان تقدم تعريفا جامعا ومقنعا للانسان، ناهيك عن التاثر الشخصي لجشطلت بالحركات الانسانية والليبرالية الجديدة((248))، واعتماده على ؟النسبية والاستدلالية؟ في نظرياته، الامر الذي يمنع من شمولية هذه المفاهيم لابعاد الانسان، لذا يصعب مقارنتها بافكار ونظريات ملا صدرا ؟، حيث ان فرض النسبية لحقيقة الاشيا، لا يترك لنا مجالا في دراسة الانسان الا مرتبطا بامور اخرى. هذا يعني عدم درك حقيقة الاشيا حتى ذات الانسان× لان طرف المعادلة متغير ليس ثابتا، وبالنتيجة لا تتحقق المعرفة المطلقة((249)). ثم ان تاثر جشطلت بالشعارات الانسانية، وارتباط معرفة الانسان بالمادة، كانت قد ضيقت دائرة دراساته بما يتعلق بوجود الانسان.
وهكذا ظهر علم النفس ذو الاتجاه الانساني، كقوة وعنصر ثالث لعلم النفس في قبال الافكار الضيقة غير الانسانية والعقيمة بزعامة السلوكيين، واتباع التعليل النفساني وغيرهم× ليكون هدفه تقديم تعريف شامل للانسان، لا سيما من ناحية بيان استعداداته كالتفكير والادراك، النمو، التطور، التكامل والتعايش مع مختلف الظروف((250)).
اذن، في هذه المرحلة من تاريخ علم النفس، اصبح بالامكان اجرا التطبيقات والتحليلات على مفهوم الانسان الكامل، فالمذهب الانساني هو الوحيد الذي تصدى للتعريف بحقيقة الانسان، وهي غاية تتجلى ايضا من ورا التحام الحركة الانسانية بعلم النفس الكامل.
مذهب الكمال نظرت مدرسة التكامل لماهية الانسان من نافذة جديدة.
فالانسان عندها مختلف عما هو عليه عند السلوكيين واصحاب التحليل النفسي (التعليل النفساني)، وما كانت عليه من الاشكال التقليدية عند مذاهب علم النفس الاخرى. فلم يعد الانسان مجرد ماكنة او مريض بائس عاجز كما قرره السلوكيون واتباع مدرسة التحليل النفسي، انما المعني هذه المرة هو الطبيعة السلمية له، وما هو اسمى من الاضطراب او الاختلال، تحقيقا للتكامل واليقظة في جوهر الانسان، وتفعيل جميع استعداداته الكامنة.
ومع اعتراف مدرسة التكامل بالعوامل الخارجية كما ذهب اليه السلوكيون والقوى الغريزية كما قال به اصحاب مدرسة التحليل النفسي الا ان التكامليين لا يفرطون بالانسان كضحية لتلك العوامل وتحولاتها. بل، يحتمون على الانسان ان يتغلب على الماضي والطبيعة والمحيط البيئي((251)).
ويتمتع الانسان وفقا لهذه المدرسة بالغرائز الايجابية والسجايا الحميدة، وله ان يطورها. ان نظريات هذه المدرسة لا تتوقف عند ؟الاختلال الحاصل؟ ، بل تتعداه الى مستويات عالية من الكمال الانساني، ويقول اربابهما بلا بدية تفعيل القابليات وتحقيقها. وعندهم سبع نظريات بارزة في وصف وتعريف الانسان الكامل، لكل واحدة وجهتها الخاصة مع وجود قواسم مشتركة فيما بينها.
نشير لها باختصار ثم نفصل القول في اهمها باتفاق الجميع((252)) واشملها((253))، ثم نقارن بينها وبين نظرية ملا صدرا ؟:
1- الانسان الكامل عند ؟غوردن آلبورت؟ (1897 1967) تحت عنوان: ؟الانسان البالغ او الناضج؟.
2- الانسان الكامل عند ؟كارل راجرز؟ (1902 1987) تحت عنوان: ؟الانسان سديد القول والفعل؟.
3- الانسان الكامل عند ؟اريك فروم؟ (1900 1980) تحت عنوان: ؟المنتج؟.
4- الانسان الكامل عند ؟كارل غوستافينغ؟ (1875 1961) وعنوانه: ؟الحائز على الفردية؟.
5- الانسان الكامل عند ؟فكتور فرانكل؟ (1905) بعنوان: ؟ما ورا الذات؟، و؟ذو الجوهر؟.
6- الانسان الكامل عند ؟فريتز برلز؟ (1893 1970) وعنوانه: ؟انسان هذا المكان وذاك الزمان؟.
7- الانسان الكامل عند ؟براهام ماسلو؟ (1907 1970) باسم: ؟الانسان وحاجات التحقق؟ او صاحب التطور الذاتي.
الانسان الكامل عند براهام ماسلو سنتناول رؤية هذا العالم تجاه الانسان الكامل من خلال ثلاثة محاور رئيسة هي اسلوبه وهدفه، تعريفه للانسان، وخصائص الانسان الكامل من وجهة نظره: اولا اسلوبه وهدفه من معرفة الانسان الكامل ان هدف (ماسلو) من معرفة الانسان ودراسته هو صقل الشخصية السليمة وتعريفها، ولتسليط الضوء على استعداداتها الكامنة وتحريرها، كي يتضح مدى قدرة الانسان في نيل الكمال وتنمية نفسه ذاتيا. وباختصار فان هدفه تشخيص ما يمكن للانسان ان يكون عليه لا ما كان عليه او ما هو عليه الان((254)).
اما تحقيق ذلك الهدف فكان عن طريق تقويم النفس لدى من يتوفر عندهم استعداد ذلك.
لقد لام (ماسلو) على (فرويد) وغيره ممن حاولوا تحديد ماهية الانسان عن طريق رصد ؟النفس المضطربة؟ و ؟المتذبذبة؟، وكان يعتقد ان ذلك يقودنا لاعلال الاصحا من البشر. لذا كان يقول بتخير النموذج السالم والبالغ في دراسة الانسان، فلا يمكننا مثلا رصد قدرة الفرد على العدو عن طريق المعاقين جسديا، بل لا بد من تسليط الضوء على افضل العدائين واسرعهم. وهذا هو ذات التفكير الذي دعا (ماسلو) ليتخذ اثنين من خيرة اساتذته هما (ماكس فرتاهمر) مدرسة الجشطلت و (راوث بنديكت) علم الانسان كنموذجين بارزين للانسان الناضج× ليشكل ذلك حجر الاساس في مطالعاته النفسية× ذلك لانه كان يعتقد بانهما من افضل مصاديق البشر، فانشغل طيلة الوقت بمشاهدة سلوكهما حتى وصل الى القول بانهما يتميزان بصفات يفتقدها عامة الناس.
وقد خلقت هذه المحصلة لدى (ماسلو) رغبة ليكون سلسلة من تسعة واربعين شخصا ممن كان يتمتع ظاهريا بالنضج النفسي كان منهم الحي والمتوفى، الا انه كان يعتقد بانهم يمثلون المصداق الابرز للشخصية النامية. ومع هذا فان (ماسلو) وظف اساليبه كالمشافهة، والتداعي الحر، وتحليل السير الذاتية لمشاهيره((255))، حتى توصل الى وصف مطلوب ومقبول للانسان عنده.
ثانيا حقيقة الانسان عند ماسلو يمكن تلخيص حقيقة الانسان عند ماسلو عبر النقاط التالية:
1- ان الطبيعة البنيوية النفسية لدى الانسان تشبه الى حد كبير تركيبة جسمه، اي ان النفس البشرية لها ايضا حاجاتها وميولاتها ؟المثيرات؟ التي تحدد عن طريق الوراثة. بعضها من ذاتيات الانسان لا ارتباط لها بالحيثيات، والبعض الاخر مختص ببعض الافراد دون غيرهم. اما الفطرة الانسانية فهي في الاصل موافقة او على الاقل مسالمة وليست متمردة على الاجتماع((256)).
2- ان لكل انسان ميولا ذاتية في تحقيق ذاته، اي ان كل الناس يولدون مع مجموعة من ؟الحاجات شبه الغريزية؟ من شانها ايجاد الدافع ورا تحقيق الكمال في ذات الانسان، وترغيبه لنيل ما هو ضمن امكاناته. فالانسان يولد وتولد معه القوة على الكمال وصقل النفس، ومتى ما شقت هذه الفطرة طريقها الصحيح، تحقق النضج والنمو السليم، وتوافرت القابليات بحسبها.
3- ان المرض النفسي وكل انواع الاضطرابات هي نتيجة للحرمان ومسخ الفطرة الانسانية، لذا فكل ما يصب في مصلحة التكامل الفطري هو صحيح، وكل ما يعيق ذلك سقيم وشاذ((257)).
4 يؤكد (ماسلو) على خصوصيات الافراد الوجودية وقدراتهم في اطار القاعدة السليمة. على اعتبارها عناصر للاكتفا الذاتي والابداعات. فهو يرى بان الدوافع البشرية لهذه الحركة هي تلك الحاجات المشتركة والفطرية بين الافراد، والتي قدمها في شكل هرمي تبدا بالاهم فالمهم.
اما الشرط الاساس في الوصول للانسان المثالي تحقيق الذات هو توفر اربع نقاط من الحاجات تترتب من الاسفل الى الاعلى((258))، وتتشكل هذه الحاجات من الترتيب الاتي: الحاجات العضوية، حاجات الامان، حاجات الحب والقبول، حاجات الاحترام وتحقيق الذات، فان النقص يسد بواسطة الحاجات الاولية والاساسية، ويتحقق النمو والكمال بواسطة الحاجات السامية، فان لم يؤمن الجانبان سيكون الفرد في معرض الاعلال والسقم.
ان السعي ورا تحصيل السلامة النفسية، ومعرفة الهوية، وتحقيق القبول والرغبة في التكامل الانساني هو من اسمى الدوافع في الانسان.
ثالثا خصائص الانسان الكامل عند ماسلو يقسم (ماسلو) مميزات الانسان الساعي ورا تحقيق الذات((259)) الانسان الكامل الى نوعين: الخصائص العامة: وهي عند اولئك الذين يرغبون في تحقق ذواتهم على قسمين:
1- ان يكونوا قد حققوا الحاجات في الطبقات السفلى، اي الحاجات العضوية والامنية، وحاجات الانتساب والقبول، والحب والاحترام، فهم في مرحلة النضج المطلوب مستفيدين من امكاناتهم المتوفرة لديهم ليحققوا ذواتهم.
2- ان يكونوا على رغبة في تحقيق الذات كهولة وشيخوخة، حيث يرى (ماسلو) في الشباب عدم توفر الشخصية المطلوبة والمستقلة، وانهم لم يصلوا بعد لصلات الحب المتينة.
الخصائص الخاصة: وهي كما يلي:
1- التشخيص الصحيح للحقائق يعتقد (ماسلو) بضرورة درك الانسان الساعي ورا تحقيق ذاته لما حوله ويطلق على هذا الادراك اسم ؟المعرفة الوجودية؟. فعلى الانسان رؤية الكون كما هو عليه لا كما هو يريده ان يكون، لذا يجب ان يكون، حكمه على ذاته وعلى الاخرين دقيقا وسليما، الامر الذي يلقي بظلاله على سائر جوانب حياته، كمجال الفن والموسيقى والروابط الفكرية والسياسية والعلمية. بينما ينظر الانسان الشاذ للعالم وما فيه حسب ما يملي عليه فكره الخاص، لا كما هي الحقيقة خارجا.
2- تقبل الذات والاخرين
3- الفطرة والبساطة لا بد من بروز الطابع الفطري الطبيعي على تصرفات الفرد الراغب في تحقيق ذاته على جميع الاصعدة بعيدا عن العصبية والتظاهر، اي بدون كبت للعواطف والانفعالات، بل يجب ان يتصرف الانسان حسب طبيعته وبانسيابية تامة، مع مراعاة الاخرين من حوله.
4- الاهتمام بما هو خارج عن الذات (الالتزام بواجبات الحياة) يرى (ماسلو) في اولئك الذين يسعون لتحقيق ذواتهم صفة الالتزام والتعهد بتادية واجباتهم الناجزة، حيث انهم قد يبذلون قصارى جهودهم بغية تنفيذ العهود والواجبات، مع رغبة جامحة في انجاز ذلك، كونه متناسبا مع طبيعتهم.
ويعزو (ماسلو) الامر الى دافع الايثار والتفاني تجاه ما هو ورا الحاجات. من هنا يؤدي كل فرد واجبه طلبا للحقيقة لا طلبا في الشهرة والقدرة وغير ذلك... فهم ليسوا راضين بذلك فحسب، بل راغبون فيه ايضا.
5- الرغبة في الوحدة والاستقلال يعتقد (ماسلو) بان الانسان الكامل بامس الحاجة للعزلة والانفراد. فانه وان لم يهجر الناس، الا انه في غنى عنهم سوا في ارضائهم او منزلتهم، فتصرفاتهم تعود لهم، اما هو فيخوض تجربته باستقلالية تامة ودون الحاجة اليهم.
6- التحرر في الادا وهذه الميزة لها ارتباط وثيق بسابقتها، ويعتقد (ماسلو) بان طالب الكمال بما انه لا يفتقد للدافع ليس بحاجة في تحقيق القبول للاخرين والامور الدنيوية، فاحساس الثقة بالذات والاستقلالية تجعله صامدا بوجه المازق والتحديات، دون الشعور بالغبن تجاه نقاط الحرمان الحاصلة احيانا.
7- الحيوية الدائمة في تجارب الحياة (الاستمتاع بالحياة والاستمرار في تطويرها) الانسان الكامل يبقى ممارسا لتجاربه الناجحة برغبة دائمة ومتعة ورا تجددها، دون ملل او عجز في الاستمرار والمواصلة.
8- التجارب السامية او العرفانية (القدرة الداخلية في التامل بما ورا العناصر) قد يخوض الانسان الكامل تجارب سارة او محيرة، كالتجارب الدينية المعمقة، مما تكسبه هذه التجارب عزما وقوة وثقة بالنفس، حتى يخيل له امكانية القيام باي عمل شا. ولا شك ان مستوى التجارب السامية ليس واحدا، فكلما كان الانسان سليما كلما ازداد تفاعله مع تلك التجارب. فماسلو يقسم الانسان الكامل من حيث القدرة وكميتها الى ؟الانسان الكامل والسالم؟ اي سالم تماما ، و؟الانسان الشاذ؟.
9- الروح الانسانية يتحلى الانسان الكامل عند (ماسلو) بصفة المودة لاخيه الانسان، وتقديم سبل العون على طريق الانسانية، معتبرا نفسه واحدا من عناصر هذه الاسرة الكبيرة، التي تجمعها اواصر القربى والمحبة والخلقة.
10- تبادل العلاقات الفردية والاجتماعية يعتقد (ماسلو) بضرورة تميز الانسان الكامل بمستوى من العلاقات يفوق معدل ما هو لدى الغير في هذا الجانب× فعليه ان يبرز مودته العميقة تجاه الاخرين، وان يسايرهم في حياتهم، وخصوصا مع الصغار والرفق بهم، مع امكانية التشدد لمدة محدودة ومع افراد معينين مع المغرضين من الناس.
11- اسلوب المعايشة (الاتجاه الديمقراطي) تتوحد نظرة الانسان الكامل لسائر الافراد دون تمييز، مع اختلاف مستوياتهم العلمية والعرقية او الدينية، ولا تشكل هذه الامور فروقا عنده، ولا يعير لها بالا.
12- الفصل بين الغاية والوسيلة والخير والشر حيث يجدر بمن وصلوا درجات الكمال ان يميزوا بين الغاية والوسيلة تمييزا جليا. فالهدف عندهم اهم بكثير من الوسيلة وسبل تحقيقه.
فهم متحمسون تجاه ؟التنفيذ؟، و؟طي الطريق؟ بنفس المستوى او اكثر من الرغبة في تحقيق الهدف وبلوغ المراد. وهم كذلك يميزون بين الصحيح والخطا والخير والشر دون حيرة او ترديد.
13- ليونة الطباع حكميا (العطف والبشاشة) تمتاز صفة التندر والممازحة لدى الانسان الكامل عن غيره بتغلب الطابع الحكمي عليها، دون سمة العدا والبغضا او نزعة السيادة على الاخرين، مع شمولية هذا النوع من المعاملة لعامة الافراد دون تمييز.
14- الابداع لا بد ان يتميز ادا الراغبين في تحقيق الكمال بالابداع والخلق، فهم مبدعون مع حفاظهم على الاصالة في نفس الوقت، وهذا لا يقتصر على جانب التاليف والخطابة والفنون فحسب، بل ان الابداع هو سمة ونزعة تنم عن سلامة النفس وزهوها ومواكبتها لمتطلبات العصر.
15- التمسك بالقوانين والاداب والصمود حيال العرف الاجتماعي (مقاومة الثقافات) يتعين على الذين يحاولون الوصول الى كمالاتهم ان يكونوا بمستوى من الاستقلال الذاتي، والمقاومة للتيارات الاجتماعية، مع تمسكهم بالاصول الثابتة، متحملين في ذلك معاناة الاستقلال الداخلي، والانفصال عن المجتمع احيانا. نعم، هذا لا يعني محاربة ثقافة المجتمع او تنفيذها وعصيانها، بل انهم يتعاملون مع ما يرفضونه بالحكمة والتدبير، وقد يعلنون مخالفتهم ان لزم الامر((260)).
مناقشة نظرية ؟ماسلو؟ سنتناول دراسة النظرية بحسب الترتيب الذي سردناه لها آنفا، اي بالاسلوب والغاية، ثم نظرته تجاه حقيقة الانسان، واخيرا الخصائص التي وضعها لطالبالكمال:
1- الغاية والوسيلة عند ماسلو: فعلاوة على افتقار اسلوبه للمنهج العلمي والتجريبي ثمة اشكالية واضحة كما يقول ماسلو نفسه في ملاك تخير مثله ومصاديق نظريته. فما هي الاسس التي استند اليها في ذلك؟ ويقول في هذا الصدد: ؟لقد راجعنا الاصول الرئيسة مرارا× اي بدانا من الخصوصيات الفردية الثقافية، ومن ثم مقارنة النتائج مع واقع الحال بالنسبة لعامة الناس؟، فماسلو هو من وضع بعض الملاكات بنفسه، والبعض الاخر ما يمليه العرف العام عليه.
ويقول ايضا: ؟لقد تم اختيار الطليعة الاولى من الافراد (موضوعا للنظرية) وفقا للخطوط العامة بعد اجرا التعديل عليها؟ ((261)).
تاسيسا على ذلك، يكون ملاكه في تحديد الانسان الكامل المطلوب ملاكا موضوعيا ومحددا مسبقا، في حين ان مصداقيته غير معينة وثابتة. و لم تحدد صلاحية هذا الملاك ايضا، مع الاخذ بعين الاعتبار الصعوبة الموجودة في معرفة كنه الانسان والوصول لحقائقه، فكيف يمكن ادراك غاية الانسان القصوى عن طريق ملاك وضعي فردي او اجتماعي؟ ولعل كلام (شولتز) في هذا الصدد هو خير مؤيد لما نحن فيه: ؟ملاحظتي الاخرى هي بخصوص ملاك ماسلو في تخير افراده ومصاديق الراغبين في تحقيق ذواتهم× فلم يفصح ماسلو عن نوعية هذا الملاك وحقيقته. فقد يكون تخيرهم استجابة لرغبات كامنة او ميولات جارفة، فكان تفضيله لهم غير واقع؟((262)) .
يتبع..