المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرية الانسان الكامل....



احمد امين
May 20th,2008, 04:19 PM
نظرية الانسان الكامل بين مذاهب علم النفس وآرا صدر المتالهين

ا. علي زينتي

المنهاج العدد42

ترجمة: محمد عبدالرزاق

تمهيد :
لم تكن مسالة الاهتمام بالانسان ودراسة ابعاده ظاهرة مستحدثة وجديدة، بل ان المذاهب والثقافات عنيت بها منذ القدم، فقلما نجد مفكرا او فيلسوفا او منظومة فكرية لم تتطرق بشكل او بخر للانسان، وما يتعلق به من امور((216)).

بعبارة اخرى: ان علم الانسان وان اخذ اليوم طابعا حداثويا، واعتبره البعض من جملة العلوم الحديثة الولادة او انه وليد عصر الاكتشافات، بمعنى ان الانسان يتخذ من المجتمعات البعيدة عن الصناعة الجديدة بغية تحقيق انسانيته، واضعا نصب عينيه عناوين من قبيل: ؟المجتمع المتوحش؟ و ؟البدائي؟ و ؟القبلي؟ و ؟التقليدي؟ واحيانا ؟الامى؟ وغيرها بغية ادرك حقيقة الانسان((217)).

فهذه الدراسة لا تتخذ ذلك المستثنى ولا تبقي على الدائرة الضيقة في الوقت ذاته، فلا نقول ان ذاك العصر هو بدايات علم الانسان، بل ان الامر بات محط اهتمام القدما ابتدا من فلسفات الهند واليونان وعلما القرون الوسط‏ى، وحتى منارات الفكر الاسلامي وعصر النهضة والى يومنا هذا، حيث عني الانسان بدراسة لابعاده الوجودية((218)). اما هدفنا المنشود هنا، فهو لا يتعدى الرغبة الذاتية والطامحة لمعرفة انفسنا، باعتبار ذلك من الفضول المباح.

ويجب ان لا ننسى ان لكل مرحلة من تطور الانسان مفاهيم خاصة بها، وان لكل مفكر ولكل مدرسة فكرية مفاهيمها التي ترتكز عليها، الامر الذي يكشف لنا عبر طياته الراي المختار في علم الانسان لدى كل واحد من الفلاسفة والمذاهب((219)).

ان الانسان بين جسد يشرحه علما الجراحة وبين نفس يدرسها علما النفس، او وصف الفلاسفة لكنهه الوجودي، وما نلمسه نحن اذا ما تاملنا في تفاصيله المادية من مواد كيميائية وانسجة، وما الى ذلك من خلايا معقدة يحاول علما الفسلجة دركها، كل تلك التفاصيل تدل على ان الانسان هو مركب من اعضا ونفس عاقلة ظرفها الزمن وامتداداته((220)).

من هنا، كان لكل رايه في تشخيص ابعاد الانسان، فقيل انه ؟حيوان اجتماعي؟ ، وذهب آخرون الى انه ؟حيوان ذو رمزية؟، وغير هؤلا ممن عرف الانسان بانه ؟حيوان يصنع الالات؟، او انه ؟حيوان ناطق يفكر؟((221))، وهو ذات الاختلاف الدائر بين المذاهب الفكرية، ففي المشرق ياخذ علم الانسان قالبا دينيا، حتى يكاد يمكن القول بان انماط معاني علم الانسان في الشرق متعددة بتعدد الاديان هناك، اما في الغرب فقد خضع هذا المفهوم لثلاث مراحل بين الفلسفة والدين والعلم((222)). وفي الحقيقة لم يخل ذلك الاختلاف من بصمات نوعية الانطباع والفهم للكون والوجود.

من جهة اخرى لا شك ان تعريف الانسان بهذه الغاية ايا كانت الاساليب والرؤى الكونية هو بمثابة نظرية معينة في معرفة الانسان تعنى بوصفه. لكن الى جانب بيان صفات الانسان الوجودية وانفعالاته واستجاباته ودوافعه الكامنة، ثمة رؤية اخرى اهتم بها اتباع علم الانسان سابقا وحاضرا، وهو فيما يتعلق بضروريات الانسان ومحظوراته، وما هو الانسان؟ وكيف يجب ان يكون؟ وما هو الانسان المثالي والكامل؟ بعبارة اخرى، ان الميول والدافع الذاتي نحو تحقيق الكمال هو الذي يدعو الانسان الى درك اوصافه وخصائصه، فيجره الى معرفة ؟الضرورات؟ و؟المحظورات؟ الانسانية، والاطلاع على الانسان النموذجي والمثالي (الانسان الكامل) . والحقيقة ان الرغبة في نيل الكمال ورفع النقص والرذيلة، هي التي تدعو الانسان من اعماقه للبحث عن النموذج المطلوب، لذا يمكن القول ان اهتمام الانسان بالتعرف على هذا النموذج له سابقة تاريخية تمتد بامتداد توالد الميول والرغبة في تحقيق الكمال، الامر الذي دعا الانسان قديما ليتخذ من الوجودات الميتافيزيقية وارباب النوع والابطال الاسطوريين واحيانا الشخصيات التاريخية، قدوة ونموذجا للانسان الكامل.

من هنا، فنحن نلمس في كل الاديان والثقافات آثارا لوجود الانسان الكامل((223)).

نذكر من تلك المذاهب: بوغا، البوذا، كونفوشيوس، ارسطو، زرادشت، افلاطون، ابيكو، نيتشه، ماركس، سارتر، العرفا، المتصوفة، الفلاسفة، وبعض علما النفس المعاصرين ممن تحدث وتطرق لنظرية الانسان الكامل، وقدم مصداقه في ذلك وفقا لرؤيته، وما يحكم عليها من اجوا وطقوس، امثال ؟ارهات؟، ؟كيون تسو؟، ؟الانسان الحر؟، ؟الفيلسوف؟، ؟ الانسان المثالي؟، ؟القطب؟، ؟الشيخ؟، ؟الانسان العظيم؟، ؟خليفة اللّه؟، ؟ الانسان الخلاق؟، ؟صانع ذاته؟، و ؟تحقيق الذات؟، ولعل هذه المسميات تتعدد بتعدد الباحثين في علم الانسان.

وقبل ان نقوم مفهومنا للانسان الكامل وما هي اوصافه، نود التطرق لذلك عند علما النفس، وعند صدر الفلاسفة وشيخ العرفا (صدر المتالهين) للوقوف عن كثب على رايه ومقارنته برا علما النفس.

اهمية علم الانسان في معرفة البشر ان سر ادراك الربوبية ومعرفة الوجود كامن في جوهر معرفة الانسان، وبينما تمحور علم البشرية حول ثلاث نقاط هي معرفة الرب، معرفة الانسان، معرفة الكون((224))، الا ان جميع هذه تعود في حقيقتها لمعرفة الانسان خاصة. وهذا هو معنى كلام الاوليا((225)) والعظما وبعض العلما((226))، حيث اشاروا الى ان معرفة الانسان نفسه من افضل السبل واقربها للوصول الى معرفة حقيقة الوجود المطلقة المقدسة.

نستنتج من هذا، ان نظرة كل عالم ومفكر لاهمية الانسان تتبع مستوى ونوع ادراكه للعالم من حوله. فنحن نرى الفيلسوف المادي عندما ينظر للانسان من منظاره المادي، يصور لنا الانسان كموجود محب للسلطة والدمار، كما ذهب (هيبز) للقول بذئبية الانسان للانسان. اما اذا كانت نظرة العالم معنوية لما يدور من حوله من كونيات، فانه سيصنف الانسان في اعلى درجات الوجود، كما قدم (اسبينوزا) الانسان نموذجا لانسان الرب((227))، او ان يشترط (كي يركه غورد) للوصول الى الكمالات بالمثول امام الرب، ويعرف (سارتر) الانسان بالموجود (المجعول) بنقطة ارتكاز بكينونته لا ارتباط لها بالكون، بحيث لا يمكنه التمييز بين الشر والخير بمفرده((228).

تاسيسا على ذلك، لا يمكن ان يجمع احدهم بين )رؤية مادية للانسان ومعنوية للوجود والطبيعة الميتافيزيقية، وكذلك العكس لا يصح اي برؤية معنوية للانسان مع تفسير مادي للكون والوجود. بعبارة اخرى: ان معرفة كل فرد لنفسه لا بد لها من التاثر بافكاره، ومعتقداته، وهكذا على صعيد علم الانسان لديه.

بعد ان اتضحت اهمية معرفة الانسان، وضرورة تحديد نمط الانسان الكامل باعتباره نموذجا لذلك. ننتقل الان الى تحليل ودراسة الانسان المثالي لدى مذاهب علم النفس ونظريات صدر المتالهين.

الانسان الكامل (السالم) عند المذاهب النفسية المدرسة البنيوية: عندما نتطرق لبحوث علم النفس فنعني بذلك العلم المجرد عن الفلسفة. نعم، كان علماؤه الرواد الاوائل فلاسفة في واقع الامر، لذلك نجد بعض الباحثين في الاصول التاريخية لهذا العلم يجمعون بين آرا الفلاسفة احيانا.

اما علم النفس الحديث فلا يتجاوز عمره المئة عام عندما حددوا موضوع علم النفس، ووضعوا حجره الاساس ليدعموا بذلك استقلاليته عن الفلسفة. لذا لا يعترف الفلاسفة اليوم بتعريف علما النفس لعلمهم((229)). اما اسهامهم برا الفلاسفة في معرض دراسة هذا العلم من الناحية التاريخية، فهو مقتصر بما يرتبط بتاسيس علم النفس الحديث. حيث لا يمكن تجاهل دور العلما في السابق وبحوثهم في ماهية الانسان ونوعه، وما لذلك من تاثير على تطور علم النفس كعلم مستقل وتجريبي غالبا((230)).

اذن، فنحن اذ نتحدث هنا عن علم النفس نعني منه ما اعقب ؟المذهب التربوي؟((231))، الذي يرى اكثر الباحثين في تاريخ علم النفس ان بداياته تعود الى سنة (1880) باعتباره اول مذاهب علم النفس الرسمية، مع وجود اختلاف في الراي حول شخصية مؤسسه او مؤسسيه الحقيقيين، الا ان الجميع اتفق على اهمية ومحورية دور ؟ويلهولم دوانت؟ وتاسيسه لاول مختبر نفساني سنة (1879)، مما منح هذا العلم مكانته بين العلوم الطبيعية الاخرى((232)).

والجدير بالاهتمام من ذلك هو ان علم النفس ظهر بحلته التجريبية في وقت كان الفكر الاوربي تهيمن عليه الاطر ؟الاستدلالية؟ و؟التجربية؟ و ؟المادية؟ ، مما يبين لنا مدى تاثره بتلك الافكار والنزعة الاستكشافية في درك السلوك الانساني وفهم انفعالاته العضوية، لذا فهو عاجز عن تعريف الانسان وتقديمه موضوعا باعتبار خصائصه الوجودية وتعددها. من هنا، تحددت بحوث هذا المذهب بجملة من متعلقات الانسان، او انه لم يلج في تفاصيلها، فبدلا من استيعاب جميع جوانب حياة الانسان اكتفى بدراسة تبلور معلومات الانسان، وتقنين الاصول الحاكمة في معرفته.

لقد اتخذ المذهب البنيوي من التجربة المباشرة في مقابل التجربة غير المباشرة موضوعا له، اي من خلال تقصي تاثر الحواس بالصور الذهنية عبر المحيط الخارجي. حيث ان هدف اتباع هذا المذهب هو نسبة العمليات الادراكية الى العناصر الاصلية، والكشف عن نوع العلاقة الحاصلة بين هذه العناصر والقوانين المرتبطة بها، دون استيعاب سائر جوانب وابعاد الانسان ومعرفته عن هذا الطريق.

بعد ذلك جا ؟المذهب الحيوي الطبعي؟ ليوظف علم النفس فيما يخص الحياة الروحية ورصد ظواهرها وظروفها، فتناول اسس الادراك العضوية في معرفة الادراك البشري. بعبارة اوضح، ان موضوع علم النفس هذه المرة هو عين الادراك وطرق معرفة الانسان، وذلك باسلوب كمي وتجريبي بتسليط الضوء على الانفعالات الفسيلولوجية والحركية الكيميائية برؤية يغلب عليها الطابع البيولوجي.

اذن، فحتى هذا الوقت كان علم النفس في غيبوبة تامة عما عليه الانسان وخصوصياته المعتمدة وابعاده المختلفة. فهؤلا في اقل تقدير تجاهلوا الانسان واستعداداته الكامنة((233)) دون ابقا حيز لفكرة الانسان غير المادي((234)). وكان الانسان ليس سوى الجسد وانفعالاته! المدرسة السلوكية يتضح من تعاريف المذهب السلوكي، وارتكازه على الاتجاه المادي((235))، وتاثره البالغ بالمذهب ؟الحيوي؟((236))، انه لا يمكن مقارنته بمذهب ملا صدرا ؟ ، حيث ان تجاهل البعد الروحي في الانسان بشكل عام بالاضافة للعديد من الجوانب المادية الاخرى، وانحصار ذلك في دراسة السلوك الشخصي الحسي (المثير والاستجابة((237))، لم يبق مجالا لمقارنة هذا المذهب بافكار صدر المتالهين، مما سلبه امكانية تقديم نموذج انساني كامل((238)).

المدرسة التحليلية (التحليل النفسي) بظهور مذهب التحليل النفسي (التعليل النفساني) دخل علم النفس مرحلة جديدة ومؤثرة في نهوضه العلمي، فترك ذلك بصمات واضحة في اكثر من مجال وصعيد((239)). وكانت افكار (فرويد) هي الاكثر تاثيرا على هذا المذهب، حيث كان يصر على رفض اي نوع من انواع التفكير الميتافيزيقي، ودعا لدراسة الكون دراسة علمية بحتة. وهذا هو ذات الالتزام بالدقة العلمية والجنوح نحو الاستدلالية، بالاصرار على ضرورة ايجاد تفسير علمي لكل ظاهرة ميتافيزيقية، لذا تاثر فرويد نظرا لرسالته الجبرية تجاه الانسان برا دارون((240)). وكان ينظر للانسان قبل مجي دارون بانه عبارة عن فصيلة مميزة عن سائر الحيوانات اهم خصائصها هي الروح، بينما تعتبر احدث نظريات دارون الانسان قسما تابعا للطبيعة، وحيوانا كسائر الحيوانات الاخرى.

وهذا يعني ان دراسة الانسان قد اخذت طابعا طبيعيا موضوعها الانسان ذاته، لا من حيث كونه موجودا بخصائص اكبر تعقيدا عن سائر الحيوانات((241)).

ولا شك ان هذا الراي لا يمنع من استخراج النموذج الامثل للانسان فحسب، بل انه يجره للسقوط بين نظريات اتباع هذا المذهب، ناهيك عما نشاهده من مادية مطلقة في آرائهم. وقد تحولت نظرياتهم لدراسة الانسان فيما بعد الى طرق لمعالجة الاضطرابات النفسية، حيث يمكن القول ان هذا المذهب كان منحرفا ومنذ البداية عن غايته الاصلية في علم النفس الى غاية اخرى هي التعليل النفساني، وموضوعها الاختلال في السلوك((242)). في الحقيقة كان مذهب مدرسة التحليل النفسي نوعا ما استمرارا للمذاهب السابقة، فمع انه منح التاصيل لمفهوم اللاشعورية، وقدم انطباعا رومنطيقيا عن الانسان، الا انه لم يتخل عن نظريته المادية في ذلك. فكلا هذين الاتجاهين (المذاهب السابقة ومذهب التحليل النفسي) قدما تفسيرا ماديا وبيولوجيا عن الانسان والوجود، وان وجد اختلاف بينهما في الموضوع، حيث تناولت المذاهب السابقة السلوك المحسوس، واتصف المذهب التحليلي بالرومنطيقية اللاشعورية كدرجة من مراتب النفس((243)).

تاسيسا على ذلك وحتى الان ثمة تفاوت جوهري بين علم النفس الحديث وعلم النفس الفلسفي وآرا الحكما، فحقيقة نظرة علم النفس الحديث للانسان في ان حاله كحال النبات النامي((244)). اذ من الطبيعي صعوبة مقارنة عنصرين مختلفين ذاتا، مضافا لمحدودية رؤية تلك المذاهب في دراسة حقيقة الانسان، متجاهلة ذلك التكامل الذي من الممكن ان يناله الانسان، فتجاهلت بذلك القوة والاستعداد الانساني.

وعليه، فلا تكون نتائج هذه الرؤية الضيقة الا محدودة وسطحية، مما قد يجرها للتخلي عن الهدف الاسمى ورا دراسة وتحليل الصفات الانسانية، حيث ان اقصى مطلوبهم هو تشبيه الانسان بماكنة او بمريض بائس× ليدركوا حقيقته، ففي هذه الحالة لا مناص من تجاهل قوة الانسان واستعداداته. وبذلك يكونوا قد ابتعدوا عن دائرة البحث((245)).

مدرسة الجشطلت على خلاف المدارس السابقة لم تتمتع مدرسة الجشطلت بفلسفة واضحة وصريحة((246))، غير انها كانت مواكبة للفلسفة السائدة لمحل ولادتها (المانيا)، ذلك الاتجاه ؟النسبي الاستدلالي؟ في دراسة الظواهر، من جهة اخرى تدرس الجشطلت الانسان مركبا من جسم وروح، فعارضت بذلك جميع اصول علم النفس السائدة آنذاك((247)).

الا انها لم تتمكن، باعتبارها اول حركة متمردة على التقليد في علم النفس، من التفوق على نظائرها او ان تقدم تعريفا جامعا ومقنعا للانسان، ناهيك عن التاثر الشخصي لجشطلت بالحركات الانسانية والليبرالية الجديدة((248))، واعتماده على ؟النسبية والاستدلالية؟ في نظرياته، الامر الذي يمنع من شمولية هذه المفاهيم لابعاد الانسان، لذا يصعب مقارنتها بافكار ونظريات ملا صدرا ؟، حيث ان فرض النسبية لحقيقة الاشيا، لا يترك لنا مجالا في دراسة الانسان الا مرتبطا بامور اخرى. هذا يعني عدم درك حقيقة الاشيا حتى ذات الانسان× لان طرف المعادلة متغير ليس ثابتا، وبالنتيجة لا تتحقق المعرفة المطلقة((249)). ثم ان تاثر جشطلت بالشعارات الانسانية، وارتباط معرفة الانسان بالمادة، كانت قد ضيقت دائرة دراساته بما يتعلق بوجود الانسان.

وهكذا ظهر علم النفس ذو الاتجاه الانساني، كقوة وعنصر ثالث لعلم النفس في قبال الافكار الضيقة غير الانسانية والعقيمة بزعامة السلوكيين، واتباع التعليل النفساني وغيرهم× ليكون هدفه تقديم تعريف شامل للانسان، لا سيما من ناحية بيان استعداداته كالتفكير والادراك، النمو، التطور، التكامل والتعايش مع مختلف الظروف((250)).

اذن، في هذه المرحلة من تاريخ علم النفس، اصبح بالامكان اجرا التطبيقات والتحليلات على مفهوم الانسان الكامل، فالمذهب الانساني هو الوحيد الذي تصدى للتعريف بحقيقة الانسان، وهي غاية تتجلى ايضا من ورا التحام الحركة الانسانية بعلم النفس الكامل.

مذهب الكمال نظرت مدرسة التكامل لماهية الانسان من نافذة جديدة.

فالانسان عندها مختلف عما هو عليه عند السلوكيين واصحاب التحليل النفسي (التعليل النفساني)، وما كانت عليه من الاشكال التقليدية عند مذاهب علم النفس الاخرى. فلم يعد الانسان مجرد ماكنة او مريض بائس عاجز كما قرره السلوكيون واتباع مدرسة التحليل النفسي، انما المعني هذه المرة هو الطبيعة السلمية له، وما هو اسمى من الاضطراب او الاختلال، تحقيقا للتكامل واليقظة في جوهر الانسان، وتفعيل جميع استعداداته الكامنة.

ومع اعتراف مدرسة التكامل بالعوامل الخارجية كما ذهب اليه السلوكيون والقوى الغريزية كما قال به اصحاب مدرسة التحليل النفسي الا ان التكامليين لا يفرطون بالانسان كضحية لتلك العوامل وتحولاتها. بل، يحتمون على الانسان ان يتغلب على الماضي والطبيعة والمحيط البيئي((251)).

ويتمتع الانسان وفقا لهذه المدرسة بالغرائز الايجابية والسجايا الحميدة، وله ان يطورها. ان نظريات هذه المدرسة لا تتوقف عند ؟الاختلال الحاصل؟ ، بل تتعداه الى مستويات عالية من الكمال الانساني، ويقول اربابهما بلا بدية تفعيل القابليات وتحقيقها. وعندهم سبع نظريات بارزة في وصف وتعريف الانسان الكامل، لكل واحدة وجهتها الخاصة مع وجود قواسم مشتركة فيما بينها.

نشير لها باختصار ثم نفصل القول في اهمها باتفاق الجميع((252)) واشملها((253))، ثم نقارن بينها وبين نظرية ملا صدرا ؟:

1- الانسان الكامل عند ؟غوردن آلبورت؟ (1897 1967) تحت عنوان: ؟الانسان البالغ او الناضج؟.

2- الانسان الكامل عند ؟كارل راجرز؟ (1902 1987) تحت عنوان: ؟الانسان سديد القول والفعل؟.

3- الانسان الكامل عند ؟اريك فروم؟ (1900 1980) تحت عنوان: ؟المنتج؟.

4- الانسان الكامل عند ؟كارل غوستافينغ؟ (1875 1961) وعنوانه: ؟الحائز على الفردية؟.

5- الانسان الكامل عند ؟فكتور فرانكل؟ (1905) بعنوان: ؟ما ورا الذات؟، و؟ذو الجوهر؟.

6- الانسان الكامل عند ؟فريتز برلز؟ (1893 1970) وعنوانه: ؟انسان هذا المكان وذاك الزمان؟.

7- الانسان الكامل عند ؟براهام ماسلو؟ (1907 1970) باسم: ؟الانسان وحاجات التحقق؟ او صاحب التطور الذاتي.

الانسان الكامل عند براهام ماسلو سنتناول رؤية هذا العالم تجاه الانسان الكامل من خلال ثلاثة محاور رئيسة هي اسلوبه وهدفه، تعريفه للانسان، وخصائص الانسان الكامل من وجهة نظره: اولا اسلوبه وهدفه من معرفة الانسان الكامل ان هدف (ماسلو) من معرفة الانسان ودراسته هو صقل الشخصية السليمة وتعريفها، ولتسليط الضوء على استعداداتها الكامنة وتحريرها، كي يتضح مدى قدرة الانسان في نيل الكمال وتنمية نفسه ذاتيا. وباختصار فان هدفه تشخيص ما يمكن للانسان ان يكون عليه لا ما كان عليه او ما هو عليه الان((254)).

اما تحقيق ذلك الهدف فكان عن طريق تقويم النفس لدى من يتوفر عندهم استعداد ذلك.

لقد لام (ماسلو) على (فرويد) وغيره ممن حاولوا تحديد ماهية الانسان عن طريق رصد ؟النفس المضطربة؟ و ؟المتذبذبة؟، وكان يعتقد ان ذلك يقودنا لاعلال الاصحا من البشر. لذا كان يقول بتخير النموذج السالم والبالغ في دراسة الانسان، فلا يمكننا مثلا رصد قدرة الفرد على العدو عن طريق المعاقين جسديا، بل لا بد من تسليط الضوء على افضل العدائين واسرعهم. وهذا هو ذات التفكير الذي دعا (ماسلو) ليتخذ اثنين من خيرة اساتذته هما (ماكس فرتاهمر) مدرسة الجشطلت و (راوث بنديكت) علم الانسان كنموذجين بارزين للانسان الناضج× ليشكل ذلك حجر الاساس في مطالعاته النفسية× ذلك لانه كان يعتقد بانهما من افضل مصاديق البشر، فانشغل طيلة الوقت بمشاهدة سلوكهما حتى وصل الى القول بانهما يتميزان بصفات يفتقدها عامة الناس.

وقد خلقت هذه المحصلة لدى (ماسلو) رغبة ليكون سلسلة من تسعة واربعين شخصا ممن كان يتمتع ظاهريا بالنضج النفسي كان منهم الحي والمتوفى، الا انه كان يعتقد بانهم يمثلون المصداق الابرز للشخصية النامية. ومع هذا فان (ماسلو) وظف اساليبه كالمشافهة، والتداعي الحر، وتحليل السير الذاتية لمشاهيره((255))، حتى توصل الى وصف مطلوب ومقبول للانسان عنده.

ثانيا حقيقة الانسان عند ماسلو يمكن تلخيص حقيقة الانسان عند ماسلو عبر النقاط التالية:

1- ان الطبيعة البنيوية النفسية لدى الانسان تشبه الى حد كبير تركيبة جسمه، اي ان النفس البشرية لها ايضا حاجاتها وميولاتها ؟المثيرات؟ التي تحدد عن طريق الوراثة. بعضها من ذاتيات الانسان لا ارتباط لها بالحيثيات، والبعض الاخر مختص ببعض الافراد دون غيرهم. اما الفطرة الانسانية فهي في الاصل موافقة او على الاقل مسالمة وليست متمردة على الاجتماع((256)).

2- ان لكل انسان ميولا ذاتية في تحقيق ذاته، اي ان كل الناس يولدون مع مجموعة من ؟الحاجات شبه الغريزية؟ من شانها ايجاد الدافع ورا تحقيق الكمال في ذات الانسان، وترغيبه لنيل ما هو ضمن امكاناته. فالانسان يولد وتولد معه القوة على الكمال وصقل النفس، ومتى ما شقت هذه الفطرة طريقها الصحيح، تحقق النضج والنمو السليم، وتوافرت القابليات بحسبها.

3- ان المرض النفسي وكل انواع الاضطرابات هي نتيجة للحرمان ومسخ الفطرة الانسانية، لذا فكل ما يصب في مصلحة التكامل الفطري هو صحيح، وكل ما يعيق ذلك سقيم وشاذ((257)).

4 يؤكد (ماسلو) على خصوصيات الافراد الوجودية وقدراتهم في اطار القاعدة السليمة. على اعتبارها عناصر للاكتفا الذاتي والابداعات. فهو يرى بان الدوافع البشرية لهذه الحركة هي تلك الحاجات المشتركة والفطرية بين الافراد، والتي قدمها في شكل هرمي تبدا بالاهم فالمهم.

اما الشرط الاساس في الوصول للانسان المثالي تحقيق الذات هو توفر اربع نقاط من الحاجات تترتب من الاسفل الى الاعلى((258))، وتتشكل هذه الحاجات من الترتيب الاتي: الحاجات العضوية، حاجات الامان، حاجات الحب والقبول، حاجات الاحترام وتحقيق الذات، فان النقص يسد بواسطة الحاجات الاولية والاساسية، ويتحقق النمو والكمال بواسطة الحاجات السامية، فان لم يؤمن الجانبان سيكون الفرد في معرض الاعلال والسقم.

ان السعي ورا تحصيل السلامة النفسية، ومعرفة الهوية، وتحقيق القبول والرغبة في التكامل الانساني هو من اسمى الدوافع في الانسان.

ثالثا خصائص الانسان الكامل عند ماسلو يقسم (ماسلو) مميزات الانسان الساعي ورا تحقيق الذات((259)) الانسان الكامل الى نوعين: الخصائص العامة: وهي عند اولئك الذين يرغبون في تحقق ذواتهم على قسمين:

1- ان يكونوا قد حققوا الحاجات في الطبقات السفلى، اي الحاجات العضوية والامنية، وحاجات الانتساب والقبول، والحب والاحترام، فهم في مرحلة النضج المطلوب مستفيدين من امكاناتهم المتوفرة لديهم ليحققوا ذواتهم.

2- ان يكونوا على رغبة في تحقيق الذات كهولة وشيخوخة، حيث يرى (ماسلو) في الشباب عدم توفر الشخصية المطلوبة والمستقلة، وانهم لم يصلوا بعد لصلات الحب المتينة.

الخصائص الخاصة: وهي كما يلي:

1- التشخيص الصحيح للحقائق يعتقد (ماسلو) بضرورة درك الانسان الساعي ورا تحقيق ذاته لما حوله ويطلق على هذا الادراك اسم ؟المعرفة الوجودية؟. فعلى الانسان رؤية الكون كما هو عليه لا كما هو يريده ان يكون، لذا يجب ان يكون، حكمه على ذاته وعلى الاخرين دقيقا وسليما، الامر الذي يلقي بظلاله على سائر جوانب حياته، كمجال الفن والموسيقى والروابط الفكرية والسياسية والعلمية. بينما ينظر الانسان الشاذ للعالم وما فيه حسب ما يملي عليه فكره الخاص، لا كما هي الحقيقة خارجا.

2- تقبل الذات والاخرين

3- الفطرة والبساطة لا بد من بروز الطابع الفطري الطبيعي على تصرفات الفرد الراغب في تحقيق ذاته على جميع الاصعدة بعيدا عن العصبية والتظاهر، اي بدون كبت للعواطف والانفعالات، بل يجب ان يتصرف الانسان حسب طبيعته وبانسيابية تامة، مع مراعاة الاخرين من حوله.

4- الاهتمام بما هو خارج عن الذات (الالتزام بواجبات الحياة) يرى (ماسلو) في اولئك الذين يسعون لتحقيق ذواتهم صفة الالتزام والتعهد بتادية واجباتهم الناجزة، حيث انهم قد يبذلون قصارى جهودهم بغية تنفيذ العهود والواجبات، مع رغبة جامحة في انجاز ذلك، كونه متناسبا مع طبيعتهم.

ويعزو (ماسلو) الامر الى دافع الايثار والتفاني تجاه ما هو ورا الحاجات. من هنا يؤدي كل فرد واجبه طلبا للحقيقة لا طلبا في الشهرة والقدرة وغير ذلك... فهم ليسوا راضين بذلك فحسب، بل راغبون فيه ايضا.

5- الرغبة في الوحدة والاستقلال يعتقد (ماسلو) بان الانسان الكامل بامس الحاجة للعزلة والانفراد. فانه وان لم يهجر الناس، الا انه في غنى عنهم سوا في ارضائهم او منزلتهم، فتصرفاتهم تعود لهم، اما هو فيخوض تجربته باستقلالية تامة ودون الحاجة اليهم.

6- التحرر في الادا وهذه الميزة لها ارتباط وثيق بسابقتها، ويعتقد (ماسلو) بان طالب الكمال بما انه لا يفتقد للدافع ليس بحاجة في تحقيق القبول للاخرين والامور الدنيوية، فاحساس الثقة بالذات والاستقلالية تجعله صامدا بوجه المازق والتحديات، دون الشعور بالغبن تجاه نقاط الحرمان الحاصلة احيانا.

7- الحيوية الدائمة في تجارب الحياة (الاستمتاع بالحياة والاستمرار في تطويرها) الانسان الكامل يبقى ممارسا لتجاربه الناجحة برغبة دائمة ومتعة ورا تجددها، دون ملل او عجز في الاستمرار والمواصلة.

8- التجارب السامية او العرفانية (القدرة الداخلية في التامل بما ورا العناصر) قد يخوض الانسان الكامل تجارب سارة او محيرة، كالتجارب الدينية المعمقة، مما تكسبه هذه التجارب عزما وقوة وثقة بالنفس، حتى يخيل له امكانية القيام باي عمل شا. ولا شك ان مستوى التجارب السامية ليس واحدا، فكلما كان الانسان سليما كلما ازداد تفاعله مع تلك التجارب. فماسلو يقسم الانسان الكامل من حيث القدرة وكميتها الى ؟الانسان الكامل والسالم؟ اي سالم تماما ، و؟الانسان الشاذ؟.

9- الروح الانسانية يتحلى الانسان الكامل عند (ماسلو) بصفة المودة لاخيه الانسان، وتقديم سبل العون على طريق الانسانية، معتبرا نفسه واحدا من عناصر هذه الاسرة الكبيرة، التي تجمعها اواصر القربى والمحبة والخلقة.

10- تبادل العلاقات الفردية والاجتماعية يعتقد (ماسلو) بضرورة تميز الانسان الكامل بمستوى من العلاقات يفوق معدل ما هو لدى الغير في هذا الجانب× فعليه ان يبرز مودته العميقة تجاه الاخرين، وان يسايرهم في حياتهم، وخصوصا مع الصغار والرفق بهم، مع امكانية التشدد لمدة محدودة ومع افراد معينين مع المغرضين من الناس.

11- اسلوب المعايشة (الاتجاه الديمقراط‏ي) تتوحد نظرة الانسان الكامل لسائر الافراد دون تمييز، مع اختلاف مستوياتهم العلمية والعرقية او الدينية، ولا تشكل هذه الامور فروقا عنده، ولا يعير لها بالا.

12- الفصل بين الغاية والوسيلة والخير والشر حيث يجدر بمن وصلوا درجات الكمال ان يميزوا بين الغاية والوسيلة تمييزا جليا. فالهدف عندهم اهم بكثير من الوسيلة وسبل تحقيقه.

فهم متحمسون تجاه ؟التنفيذ؟، و؟ط‏ي الطريق؟ بنفس المستوى او اكثر من الرغبة في تحقيق الهدف وبلوغ المراد. وهم كذلك يميزون بين الصحيح والخطا والخير والشر دون حيرة او ترديد.

13- ليونة الطباع حكميا (العطف والبشاشة) تمتاز صفة التندر والممازحة لدى الانسان الكامل عن غيره بتغلب الطابع الحكمي عليها، دون سمة العدا والبغضا او نزعة السيادة على الاخرين، مع شمولية هذا النوع من المعاملة لعامة الافراد دون تمييز.

14- الابداع لا بد ان يتميز ادا الراغبين في تحقيق الكمال بالابداع والخلق، فهم مبدعون مع حفاظهم على الاصالة في نفس الوقت، وهذا لا يقتصر على جانب التاليف والخطابة والفنون فحسب، بل ان الابداع هو سمة ونزعة تنم عن سلامة النفس وزهوها ومواكبتها لمتطلبات العصر.

15- التمسك بالقوانين والاداب والصمود حيال العرف الاجتماعي (مقاومة الثقافات) يتعين على الذين يحاولون الوصول الى كمالاتهم ان يكونوا بمستوى من الاستقلال الذاتي، والمقاومة للتيارات الاجتماعية، مع تمسكهم بالاصول الثابتة، متحملين في ذلك معاناة الاستقلال الداخلي، والانفصال عن المجتمع احيانا. نعم، هذا لا يعني محاربة ثقافة المجتمع او تنفيذها وعصيانها، بل انهم يتعاملون مع ما يرفضونه بالحكمة والتدبير، وقد يعلنون مخالفتهم ان لزم الامر((260)).

مناقشة نظرية ؟ماسلو؟ سنتناول دراسة النظرية بحسب الترتيب الذي سردناه لها آنفا، اي بالاسلوب والغاية، ثم نظرته تجاه حقيقة الانسان، واخيرا الخصائص التي وضعها لطالبالكمال:

1- الغاية والوسيلة عند ماسلو: فعلاوة على افتقار اسلوبه للمنهج العلمي والتجريبي ثمة اشكالية واضحة كما يقول ماسلو نفسه في ملاك تخير مثله ومصاديق نظريته. فما هي الاسس التي استند اليها في ذلك؟ ويقول في هذا الصدد: ؟لقد راجعنا الاصول الرئيسة مرارا× اي بدانا من الخصوصيات الفردية الثقافية، ومن ثم مقارنة النتائج مع واقع الحال بالنسبة لعامة الناس؟، فماسلو هو من وضع بعض الملاكات بنفسه، والبعض الاخر ما يمليه العرف العام عليه.

ويقول ايضا: ؟لقد تم اختيار الطليعة الاولى من الافراد (موضوعا للنظرية) وفقا للخطوط العامة بعد اجرا التعديل عليها؟ ((261)).

تاسيسا على ذلك، يكون ملاكه في تحديد الانسان الكامل المطلوب ملاكا موضوعيا ومحددا مسبقا، في حين ان مصداقيته غير معينة وثابتة. و لم تحدد صلاحية هذا الملاك ايضا، مع الاخذ بعين الاعتبار الصعوبة الموجودة في معرفة كنه الانسان والوصول لحقائقه، فكيف يمكن ادراك غاية الانسان القصوى عن طريق ملاك وضعي فردي او اجتماعي؟ ولعل كلام (شولتز) في هذا الصدد هو خير مؤيد لما نحن فيه: ؟ملاحظتي الاخرى هي بخصوص ملاك ماسلو في تخير افراده ومصاديق الراغبين في تحقيق ذواتهم× فلم يفصح ماسلو عن نوعية هذا الملاك وحقيقته. فقد يكون تخيرهم استجابة لرغبات كامنة او ميولات جارفة، فكان تفضيله لهم غير واقع؟((262)) .

يتبع..

احمد امين
May 20th,2008, 04:30 PM
اذن، فليس منهج ماسلو وحده الذي يفتقر للعلمية، بل ملاكه ايضا في تحديد مصاديق النظرية لم يكن واضحا، وقد يكون عن انتقائية محضة.

2- حقيقة الانسان عند ماسلو: ترتكز نظرية ماسلو على اساس التنظير لحاجات الانسان. فهو يعتقد بعلاقة هرمية (طولية) بين حاجاته وتسلسلها من الاسفل الى الاعلى، مع ضرورة تحقيقق الاسفل فما فوقه. وهنا نشير لعدة نقاط: ا ان هذا الكلام لا ينطبق على سائر الافراد بشكل كلي. فقد يتخلى البعض عن بعض الحاجات العضوية وفقا لقيمهم الخاصة بهم، مع احتياجهم لما يلي ذلك من حاجات، فيرجحون الاعلى على الاسفل، كالذي يضرب عن الطعام بغية تحرره من السجن((263)).

ب وضع سور محدد للحاجات كما ونوعا يحد من مصداقية النظرية وصحتها، فامتدادها اوسع بكثير من ذلك ولا يقتصر على ما ذكره وحسب. فكلما تحققت غايات الانسان بحث عن غيرها. اذن، فليس من الصواب تحديد حاجاته.

وهذا من قبيل ما يتناقله ارباب المعرفة من الوصول الى اللامتناهي (الجمال اللامتناهي والكمال اللامتناهي...) فلا اشباع لرغبة الانسان ولا حدود لحاجاته ومطالبه.

ج- المسالة الاخرى في موضوع حقيقة الانسان عند (ماسلو) هي ان كمال الانسان الحقيقي لا يقتصر على تحقيق الذات والانتقال من القوة الى الفعل× لان ذلك يعني صدق هذه الفعلية على السلوك الشاذ كالتعسف وسفك الدما والوحشية، فتعتبر من الكمالات!! فقد تقف الفعلية احيانا بوجه نمو الانسان وتكامله. اذن، لا بد من ملاحظة مصدر الفعلية ومن ثم الحكم على تحقيقها للكمال او عدمه((264)).

3- خصائص الانسان الكامل عند ماسلو نقد عام: بنيت نظرية (ماسلو) على اساس ظواهر الانسان وتفسيرها وما يتعلق به من وجود واختيار مطلق× لذا فهو يقول بالحرية المطلقة للانسان، في تفعيل قدراته، فهو يصور الانسان تصويرا جزئيا وليبراليا. والحقيقة ان لديه نظرة وضعية وانسانية للبشر، وتجسيدا لجانب من المجتمع المتطرف في ليبراليته الجديدة((265)).

بعبارة اخرى: يتخذ من الانسان مبررا وحيدا مع اهمال ما وراه، والاقتصار على قابلياته كذرائع لجميع التفسيرات والخصائص التي وضعها للانسان. وان هذا النوع من التاكيد على محورية ذات الانسان يعد مغايرا للمعايير الاسلامية.

نقد خاص: بداية، يجب القول بان خصائص الانسان الكامل لا تقف عند هذا الحد، فمن وجهة نظر الاخلاق الاسلامية هنالك خصال اخر لا بد من توافرها في الانسان الكامل.

وفيما يخص التجارب المتعالية والسامية نقول ايضا: بان المقصود منها لا يقتصر على الجانب الغيبي والعرفاني فحسب، بل يشمل بعضا من النشاطات الانفعالية المذمومة، الناتجة عن مصادر غير سليمة. اذن، فليست بالضرورة ان تكون كل تجربة ايجابية وقيمة، فقد تكون ذات ناتج سلبي او مجردة عن النتائج تماما.

من جهة اخرى لا يخلو تخير بعض الافراد دون غيرهم من الملاحظات، فللمسالة ابعاد واسعة قد يصعب تصنيفها ضمن اسس وتعاليم الاسلام لا سيما اذا ما لم يؤخذ بنظر الاعتبار السلوك والاخلاق لدى الافراد فيصعب حينئذ اعتبار ذلك نموذجا متعاليا للانسان، بل لا بد من استقصا السلوك الشاذ لدى الافراد، من هنا تكاد تكون هذه المسالة مرفوضة نظرا لاتساع الدائرة((266)).

الانسان الكامل عند صدر المتالهين ؟ اسلوب ملا صدرا يمكن تحديد اسلوب ملا صدرا في كونه اسلوبا مركبا واستقرائيا، تشكله جملة من العناصر((267))، لذا فان الوقوف على حقيقة هذا الاسلوب يتطلب تحليلا لمكوناته والطرق الجزئية فيه. من هنا يتعين علينا الخوض في المنطق العام للفكرة والاصول الكلية، وما اشتملت عليه من تعاليم الشرع المقدس، مضافا لبصمات العرفان والسلوك وحتى فروع الطبيعيات((268))... كي يتسنا لنا معرفة اسلوب هذا الحكيم القدير.

ولا يخفى في السياق ذاته استحالة هذا الامر ضمن مقالنا المختصر، الامر الذي دعانا للاكتفا بالنتيجة دون المقدمات.

ان التحقيق في تفاصيل الدين والمواضيع الغيبية، ومطابقتها مع البراهين القياسية، كان قد فتح ابوابا واسعة من العلوم والارا امام ملا صدرا، والتي يصعب تاتيها لمجرد التفكير بها او غير ذلك من الاساليب. لقد يسر هذا الاسلوب في المجالات الفلسفية من التوفيق بين الذوق العام والبرهان، اي فسر بعض المسائل الذوقية عن طريق البراهين، بعد ما كان قد وصلت عن طريق الكشف، فمنحها دليلا فلسفيا فتبوات مكانتها من البحث الفلسفي. لقد اهتدى ملا صدرا لفكرته بواسطة اسلوبه في العلم والعمل معا، كما تملي عليه ممارساته العلمية والعملية، واستعداده الذاتي، واطلاعه العميق في امور الشرع المقدس((269)).

حقيقة الانسان عند الملا صدرا لم يكن الانسان في بدايته من وجهة نظر صدر المتالهين الا قوة محضة. كما يشير القرآن للجانب العدمي فيصفه بانه لم يكن ليذكر منه شي، لذا فهو فاقد للحياة العضوية قبل ان يتحول الى نبات نام، ثم يكتسب الحالة الحيوانية، ومن ثم تحول الى انسان له القدرة على التفكير وممارسة النشاطات. بعد ذلك يمتلك الانسان نفسا ناطقة واذا ما شملتها العناية الربانية فانها تصبح جوهرا قدسيا وروحا الهية.

كا((270))ن ملا صدرا من القائلين باثنينية خلق الانسان، كما هو راي الاغلبية من الفلاسفة، اي ان الانسان مخلوق من جسد وروح، وان الجسد هو غير الروح ومنفصل عنها، فالجسد من الماديات ومصيره الزوال والفنا، اما الروح فهي من المجردات ولا تزول((271)).

اما جهة الاختلاف في هذه الفكرة المتفق عليها، فهي تنشا من اثبات العلاقة بين هذين الجزاين او نفيها، وبيان نوعية التقا الروح بالجسد، او القسم المجرد بالمادي من تركيبة الانسان، وآلية تكوين الانسان وتعالي الروح فيه، وما هو دور كل منهما في تقويم انسانية الانسان، والى اي جزء تنتمي؟ ووفقا لما ذهب اليه ملا صدرا، فان الجسد سابق ومتقدم على النفس زمنيا، وان هذا الجوهر المجرد (النفس) نشا في المادة حتى استكمل مراحله المادية، فوصل لدرجة التجرد واللامادية((272)).

بعبارة اوضح: اعتمد صدر المتالهين في نظريتيه على ؟الحركة الجوهرية؟، و؟التشكيك في الوجود؟× ليقول بان الروح في بداية تكوينها كانت جوهرا ماديا، الا انها ومن خلال الحركة الجوهرية المتواصلة استكملت الدرجات العليا حتى نالت درجة التجرد، مع حفاظها على ؟الحقيقة الذاتية؟ ((273))، وهذا نص عبارته: ؟ان نفس الانسان جسمانية الحدوث، روحانية البقا، اذا استكملت خرجت من القوة الى الفعل؟((274)).

هذا مع الاخذ بعين الاعتبار بان حقيقة الانسان عند ملا صدرا تبقى هي النفس الناطقة وصورته الذاتية((275)).

تاسيسا على ذلك، يكون راي ملا صدرا ؟ هو ان الانسان موجود ذو بعدين، اي ان اللّه تعالى خلقه من جزاين هما الجسم والروح. ويتصف بدن الانسان بحالة تركيبية، فاذا لم يتجاوز حد الاعتدال بقي سليما. فان تجاوزه اعتراه الخراب والفساد.

وكذلك بالنسبة للروح، تختل عندها معدلات الاخلاق والصفات الغيبية اذا ما تجاوزت حدود الصفات الباطنية والسجايا النفسانية، حتى تصاب بالامراض والذنوب وتهلك تماما((276)). بعبارة اخرى: ان الانسان عبارة عن مركب تكونه صفات وقوى بعضها حيوانية واخرى شيطانية، وسبعية، وملائكية. اما قوى الانسان الحيوانية، فهي الشهوات والنزعات والطمع والفجور، ومن السبعية الحسد والعدوانية والبغضا. اما البعد الشيطاني، فيتمثل في مكر الانسان وخدعه، وللعبد الملائكي صفات العلم والطهارة.

وتصاحب هذه المزايا الانسان، لا سيما الثلاث الاولى ولا يمكنه التخلص منها الا بمساعدة الدين والعقل. اذن، في الانسان القدرة على التسامي نحو العلم العلوي (عالم المجردات) ((277))× ليتبوا عن طريق علمه وعمله مجاورة الملكوت الاعلى، ولينال بمعرفته وعبوديته الكاملة ذاته وكمالاتها، ويختصر سبل العوالم فيتفوق على عالم الزمان والمكان× ليتخلى عن الذات الوجودية، فيحظ‏ى بلقا بارئه عز وجل، فيكون له اتباعا من الملائكة× ليسجدوا له ويعظموه، ويبقى صدى اوامره مسموعا في ارجا الملكوت، وفي عالم الجبروت((278)).

وهذا ما يشير له صدر المتالهين بقوله: ان الغاية من خلق الانسان هي ان يصبح خليفة اللّه، اي ان الهدف ورا خلق الوجود هو تحقيق الانسان الكامل، وهو نفس مفهوم خليفة اللّه، فان امكانية خلافة اللّه لا تتسنى الا في الانسان الكامل، وهو ذلك الانسان الحقيقي المتجلي فيه الاسم الاعظم((279)). ويقول في موضع آخر: فان الغاية القصوى في ايجاد هذا العالم الكوني ومكوناته الحسية هي خلقة الانسان، وغاية خلقة الانسان مرتبة العقل المستفاد، اي مشاهدة المعقولات والاتصال بالملا الاعلى((280)).

وبهذه الطريقة يحظ‏ى الانسان بكرامات مميزة، ويكون خليفة اللّه بالقوة، ومحل تعظيم وسجود ملائكة الارض والسما((281)).

لقد عدد صدر المتالهين للنفس الناطقة باعتبارها تمام حقيقة الانسان خصائص، وقال في ذلك: وبما ان الانسان ذو نفس مجردة، لذا فان له خصائص لا تتوفر لدى بقية الحيوانات، من قبيل: 1 النطق الظاهري: يمتاز الانسان بالنطق والتكلم ظاهرا، وليس هذا الا جزءا من الكمالات الروحية والعضوية× كي يتسنى له افهام الاخرين بمراده ونيل اهدافه المنشودة. وان كان [النطق الظاهري ] مبدئيا يصب في مصلحة الاغراض المادية العضوية، الا ان غايته الاسمى هي كسب المعرفة والعلم.

2 التعجب: والمقصود منه ذلك الانفعال الناتج عن ادراك بعض الظواهر النادرة مما يبعث على الابتهاج والضحك.

3 الضجر: وهو عبارة عن الانفعال الناتج لادراك الامور المؤلمة مما يبعث على الحزن والبكا.

4 الخجل: وهو من خواص الانسان البارزة، وهو ايضا عبارة عن انفعال يحصل نتيجة التنبه لبعض الامور. كما لو يتنبه الانسان لصدور فعل غير لائق منه، فيخجل للقيام به ويندم× اي يتحقق الخجل بعد صدور الفعل والعلم بمذموميته.

5 الخوف والرجا.

6 ادراك المعاني العقلية: وهو من اخص الخواص الانسانية، حيث ينحصر ادراك المسائل العقلية المجردة عن المادة تماما بعقل الانسان وحده. ومن الواضح ان للا((282))نسان مجموعة من القوى الادراكية، يبحث كل منها على سبيل تحقيق غايته بما تقتضيه طبيعتها. وكذلك بالنسة للفنون العلمية، فان الدافع في كل علم متفاوت عن الاخر فهو يتبع تفوق المعلوم على ذلك العلم. فان كان المعلوم حقيقة مطلقة ومنشا الموجودات فهو اكملها واشرفها× اي اشرف العلوم وهو العلم بالخالق البارئ وصفاته وافعاله وادراك حكمته((283)).

بعبارة اخرى، ان العلم الذي يكون مراده الكمال الحقيقي والتقرب الى اللّه عز وجل هو العلم الالهي الكشفي، وليس علم المعاملات او سائر ابواب العلوم الاخرى((284)).

الانسان الكامل من وجهة نظر صدر المتالهين يعتقد صدر المتالهين بان النفس تتكون من قوتين نظرية وعملية: احداهما للصدق والكذب، والاخرى للخير والشر في الامور الجزئية× اي قسم مختص بالواجب والممكن والممتنع، وقسم للجميل والقبيح والمباح.

ولكل قوة من هذه القوى مراتب من القوة والضعف((285)). وللانسان ان ينال الكمال الحقيقي اذا ما تبوات القوتان الالهيتان مكانتهما منه وتكاملتا فيه، فان كمال كل قوة هو ان تنال ما تقتضيه ذاتها((286)). ولكل واحدة من القوى النظرية والعملية مراتب ومراحل لا بد من تجاوزها لتتكامل، فيتكامل الانسان تباعا× اي ان الانسان يتكامل بتكامل هاتين القوتين، فهما تمثلان تمامية الاستعدادت البشرية. ويقسم ملا صدرا ؟ مراحل تكامل العقل والقوة النظرية كما يلي: المرحلة الاولى: العقل الهيولي (العقل بالقوة): وهي مرحلة القوى العقلية المتحققة للنفس فطريا فتهيؤها لادراك المعاني المعقولة، ولا تمتلك في حقيقة امرها سوى الاستعداد للادراك. كما لو كان العقل خاليا من صور المحسوسات، الا ان له القابلية على اكتسابها جميعا((287)).

المرحلة الثانية: العقل بالملكة يتعدى فيها العقل مرحلة القوى الى الفعل فيدرك الامور الاولية، دون ان يكون خاليا من المدركات× لينال بذلك القدرة والملكة على الانتقال الى مرحلة العقل بالفعل.

المرحلة الثالثة: العقل بالفعل يمتاز العقل في هذه المرحلة مضافا لادراك الاوليات بتحصيله على النظريات ايضا، الا ان العقل لا يستحضرها باستمرار الا اذا ما قصدها، فتحضر عنده.

المرحلة الرابعة: العقل المستفاد المرحلة اللاحقة لتكامل العقل هي وبعد تحصيل الاوليات والنظريات استغناؤه في استحضار المعلومات للقصد والالتفات، فان جميع النظريات الفعلية تكون حاضرة عنده وماثلة امامه. هذه المرحلة هي مرحلة كمال العقل والعقل الكامل، والتي يتم فيها استحضار المعلومات بمجرد الاتصال بالعقل العملي لتتوارد صور جميع الاشيا والموجودات للعيان.

ان المقصود بالعقل العملي هو ذلك العقل (من المرحلة) الذي يتجرد عن كل ما هو بالقوة الى ما هو بالفعل× اي ليس مستعدا لقبول الصور المعقولة. بل انها اصبحت من ذاتياته، وقائمة بذاتها دون فرض امكانية لها، فهي فعلية محضة ولها وجود عار عن المادة. بعبارة اخرى، ان هذا العقل قائم بذاته، وهو وجود من النفس وفي النفس، فان كمال الانسان هو في ان يتحول الى عقل عملي وينصهر فيه فيتحد وجودا((288)).

مراحل كمال القوة العملية لهذه القوة ايضا مراحل اربع من الكمال نوجزها فيما يلي: المرحلة الاولى: تهذيب الظاهر ووسيلتها الالتزام بالواجبات الالهية، والشرائع النبوية، واحكام الشريعة.

المرحلة الثانية: تهذيب الباطن (القلب) المراد بذلك هو تطهير الانسان لقلبه وباطنه، وان يسعى في تنزيهه من الرذائل والسجايا الذميمة.

المرحلة الثالثة: اعداد النفس الناطقة ويسعى الانسان هنا الى تزيين النفس الناطقة والتي هي حقيقة الانسان التامة بالصور القدسية والعملية والصفات الحميدة.

المرحلة الرابعة: تجرد النفس عن ذاتها يتخلى الانسان في هذه المرحلة عن كل ما هو غير اللّه تعالى، حتى وان كانت ذاته× ليستغرق في التامل الخالص في ذات الرب والكبريا والملكوت((289)). وهذا لا يعني انتها رحلة القوة العملية والوقوف عند هذا الحد، فرحلة التكامل مستمرة الى ما لا نهاية، يقول صدر المتالهين ؟: ؟فهذا حال بعض اوليا اللّه، ولكن الولي الكامل من رجع بالوجود الحقاني الموهوب الى الصحو بعد المحو، وعاد الى التفصيل بعد الجمع، ووسع صدره لغاية الانشراح للحق والخلق...؟.

فالانسان الكامل هو من يعود من مقام الفنا والتجرد الى مقام الصحو، ومن مقام الجمع الى مقام التفصيل، ومن ثم يوفق بين الحق والخلق بما يسع لهما صدره الرحب((290)). بعبارة اخرى، هو ان يحكم الحق في كل ما يسمعه ويراه، ليحظ‏ى بسرور اكبر بين خلق اللّه. فلا تعددية ولا تجسيم((291)).

ويرى صدر الحكما بان كمال القوى النظرية افضل من كمال القوى العملية لذا فالتفكير والتامل عنده افضل من العبادة((292)).

اما مل هذين العنصرين فهو تكوين الانسان الكامل× بمعنى انه اذا تخلى الانسان عمليا عن جميع الصفات الحيوانية وان يصعب على البشر ذلك وتوصل لنور الايمان واليقين عن طريق العلم، فانه بذلك ينال درجة الايمان الغيبي، والعلم العيني، واليقين الحضوري، ويصبح انسانا كاملا.

يعتقد الحكيم ملا صدرا ؟ بان الانسان الكامل هو حقيقة واحدة لها مراتب متعددة، لكل مرتبة نوعها الخاص بها. ثم يذكر هذا الرجل الرباني في معرض تنظيره لشرف عالم التكوين (البشر)، وشرف عالم التشريع (القرآن)، بانه وكما للقرآن بطون ومراتب، كذلك للانسان سبع مراتب هي: 1 النفس، 2 القلب، 3 العقل، 4 الروح، 5 السر، 6 الخفي، 7 الاخفى((293)).

بينما يحدد صدر المتالهين ؟ في موضع آخر الدرجات والمنازل فيقول: من اسفل السالفين وحتى اعلى العليين، كلها درجات للبشر: ؟ لهم درجات عند ربهم؟ (الانفال: 4)، ثم ان هذه الدرجات منها ما هو بالقوة، ومنها ما هو بالفعل، ومنها المطوى والمنشور.

وتتجلى درجات الانسان العليا بين هذه الايات ؟ ان الذين يبايعونك انما يبايعون اللّه؟ (الفتح: 10)، و؟من يطع الرسول فقد اطاع اللّه؟ (النسا: 80)، حتى قال الرسول الاكرم ؟: ؟من رآني فقد راى الحق؟ ((294)) . ((295)) وبديهى ان استيعاب حقيقة الانسان الكامل عند الملا صدرا بجميع ابعادها ليتطلب مجلدات من الكتب، نظير ما كتب هو في هذا المجال، الامر الذي يتجاوز نطاق بحثنا الحالي، لذا ندعو الراغبين في التفصيل الى الرجوع لما تركه هذا الفيلسوف الكبير من آثار قيمة في هذا المجال، وهنا نختم مقالنا بذكر بعض خصائص الانسان الكامل: خصائص الانسان الكامل عند صدر المتالهين ؟ لقد وصف الملا صدرا الانسان الكامل بمفردات خاصة باعتباره القدوة والاسوة للاخرين منها: العارف، الحكيم، الصادق((296)).

وقبل ان نفسر مفهوم الانسان الكامل في علم الانسان، نود التطرق لمذهب صدر المتالهين لنعرفه وفقا للاوصاف التي افترضها له.

فهنالك صفات عديدة من وجهة نظره ابرزها:

1- الانس مع الباري عز وجل ان صفة المؤانسة مع الخالق سبحانه وتعالى هي من اهم مميزات الانسان الكامل، ذلك بان يستخلص جميع وجوده بالذات المقدسة، بحيث لا يفوق متعة التعبد لديه اي شي كان، بل يكون دائما على اتصال وذكر له عز وجل في الحاضر والغائب. فكل ما عدا اللّه عدم في عدم، وحتى مسالة حب الانسان لاوليا اللّه او ابويه وبنيه ليس ذلك الا امتثالا وقربى لامر ربه الكريم، كقول الشاعر: به جهان خرم از آنم كه جهان خرم از اوست عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست يقول: اهوى جمال الكون× لان اللّه صانعه واحب جميع العالم× لانه هو خالق العالمين

2- الالتزام بالفرائض والنوافل يلتزم الانسان الكامل بكل ما هو محبب عند اللّه تعالى، ليقصده بجميع حركاته وسكناته، فينال مرضاته، وبما انه على شوق بلقا ربه، فهو دائما في شوق لتادية عبادته.

3- الرافة بخلق اللّه.

4- العلم بالحقائق الالهية والعلوم الربانية يبقى الانسان الكامل على يقين بجميع الحقائق البرهانية، لا يتردد في امرها طرفة عين ابدا.

5- الزهد وتهذيب الطباع.

6- الاعتدال في الطقوس((297)).

7- محبة العلم والعلما.

8- تذكر الموت والرغبة فيه بغية لقا الخالق.

9- التقرب من اتباع العزيز الكريم.

10- محاربة اعدا اللّه من الكفار والظالمين.

11- الرغبة في اكتساب علوم الفلك والكون.

12- ذاكرا للّه في جميع الاحوال.

13- المواظبة على التهجد دون اغفاله.

14- الابتعاد عن الشهوات.

15- الاكتفا بمقدار الحاجة من الطعام والشراب.

16- الابتعاد عن اهل الدنيا وذوي الثروات المادية.

17- الانشغال بمعرفة الرب وافعاله وصفاته.

18- استحقار اصحاب الشهوات واتباع الملذات.

19- التشوق للخلوات واعتزال الناس.

20- المراقبة الشديدة لافعاله واقواله كي لا يصدر منه الخطا.

21- يتمتع بصفا القلب وطهارة الروح.

22- الهروب من المعاصي والخبائث.

23- التحقيق والاجتهاد في كسب اليقين بعيدا عن الظن والتقليد.

24- الابتعاد عن الغضب والحسد والحقد.

25- امتلاك المكاشفة الربانية.

26- العشق الالهي.

27- ان يملا نور التوحيد ارجا قلبه وروحه.

28- التخلي عن حب السلطة ومال الدنيا.

29- تجلي الملكات الراسخة في افعاله واقواله، كالشجاعة، والشكر، والكرم، والحلم.

الطريق الى نيل الكمال ان سبل التجرد والتهذيب عديدة عند ملا صدرا ؟، وان كان مل جميعها الالتزام بثلاثة امور هي: العبادة، العدل، القضا على الوسواس والتشكيك، وكل واحدة من هذه الثلاثة تعتمد في حقيقتها على اصول: فالعبادة هي لتهذيب الاخلاق، والتحلي بالصفات الحميدة× والعدل من العبودية وشكر المنعم× اما القضا على الوسواس فهو مقرون بترك الملذات والغرائز. ولا بد في الوصول الى الهدف من الجمع بين هذه الثلاثة، ولا يمكن اسقاط شي منها. اما القاسم المشترك بينها، فهو شوق العبد للمعبود الحقيقي والخير المطلق، والشوق بدوره يتطلب المعرفة والادراك. اذن، فالمعرفة هي نقطة البداية والنهاية، وهي الدافع والنتيجة، فمن العلم والايمان بداية وحتى النهاية في الجانب الغيبي وعالم العيان. وكلما ازدادت المعرفة كلما اشتد الشوق، وهكذا بالنسبة للحركة والسعي في معرفة الكشف والاشهاد، حتى تعود نقطة النهاية للبداية دون ان يترك جانب من جوانب المعرفة، فلا يبقى هناك عارف او معرفة، بل الناتج هو المعروف وحده، وليس ايضا المشتاق او الشوق، بل المشتاق اليه وحسب. وهذا هو معنى اتحاد الاول مع الاخير، والخفي مع الظاهر، والوجود مع الموجود والمعبود.

من هنا ى((298))تضح سر التاكيد على جانب المعرفة، وقبل كل شي معرفة النفس والذات((299)).

شروط السائر في طريق الكمال (العرفان) يرى الملا صدرا ؟ شروطا لمن يريد السير في طريق الكمال وتجاوز العقبات بين العبد والمعبود، هي كالاتي((300)): ا وجود مرشد للطريق، فلولا الخضر ؟ لم تتحقق الهداية.

ب- الالتزام باوامر المرشد.

ج- الاستقامة.

د- الحذر الشديد من الذنوب والغرائز الشيطانية التي تهدد قلب السائر في هذا الطريق.

ه- الالتزام الدقيق والتام باحكام الشريعة والطريقة.

ترويض النفس((301))، حيث يرى ملا صدرا فيه التاثير البالغ ذاكرا له اقساما متعددة.

موانع الكمال يحصي صدر المتالهين خمسة عوامل تحول دون كمال الانسان((302)):

1- النقص الذاتي في النفس: والمقصود منه عدم نضجها، كما هو عند الاطفال والبله× اي عدم تعدي مرحلة القوة الى الفعل، والعجز في ادراك الحقائق.

2- الحجب: والمقصود بها تلك الموانع التي تحول بين النفس المستعدة ونيل كمالها، وهي على اربعة انواع: ا المال: ويمكن رفعه عن طريق بذل الاموال تفاديا لتكدسها.

ب- الجاه: وعلاجه بتجنب المناصب المثيرة للرفعة، والبقا في حالة التواضع، والابتعاد عن كل ما يبعث على الشهرة.

ج- التقليد: ويعالج بتجنب الانقياد لبعض المذاهب، والبحث في كشف الحقيقة والمعتقد، بعيدا عن السجالات.

هر كه را تقليد دامن گيرد شد در دل او چ‏ون غل وزنجير شد يقول: ان الذي يسيطر عليه طابع التقليد، كالمكبل بالاغلال والسلاسل.

تا تو از تقليد آبا نگذري كافرم گر هرگز از دين برخوري((303)).

يقول: واذا ما لم تهجر تقليد الابا، فانا الكافي ان كنت من الدين بشي.

د- حاجز المعصية والذنب: ويرفع بالتوبة والاقلاع عن الذنوب والمعاصي مع كسب رضا اصحاب الحق. فاذا لم يرتفع حاجز المعصية، فمن المستحيل ان ينال العارف باب المكاشفة.

3- الانحراف عن مسلك الحقيقة: في هذه الحالة يكون القلب طاهرا منزها، الا انه لا يرغب في تحصيل الحقيقة، فلا يوجد علم بالحقائق الربوبية، بل يكون جل الاهتمام مصبوبا في مطامع الدنيا بعيدا عن الطاعة والعبادة.

حتى يضل القلب مسيره، كما هو الحال بالنسبة لبعض العلما والصالحين الذين فيهم الاستعداد لتلقي العلوم، الا ان نور المعرفة لا يجد طريقه الى قلوبهم، لذا لا يتجه همه نحو طلب الحق والحقيقة((304)).

4- الجفا وتحجر القلب: كما ان المعاصي والذنوب كانت مانعا عن تطهير القلب، فان المجافاة ايضا من تجلي الحق وانعكاس شعاعه في القلب، فليس هناك ذنب لا يترك بصماته السودا في صفحة القلب((305)).

5- الجهل: وهو يشكل سدا بوجه طالب الكمالات× ذلك لانه يحول دون انعكاس المطلوب الحقيقي في مرآة الضمير. فليس بامكان طالب العلم ان يمضي في مسيرته دون المام بسائر العلوم ذات الصلة، لذا يتعين عليه العلم بالاصول المعرفية العامة من محسوسات وبديهيات دون ان يصرف جهدا او عنا((306))× ذلك لان اساس جميع الذنوب في هذا العالم هو الجهل المفرط((307)).

؟ساقيا از مي فزون كن معنيام غافلم كن زين جهان خير وشر وارهان جان راز قيد خويشتن مستي ام ده، وارهان زين هستي ام وارهان جان را زسحر مستمر نيست سدي همچ‏و من در راه من؟ ((308)) يقول: املا الكاس بكل وجودي، فخلاصي من هذا الوجود بثمالتي وابعدني عن عالم الخير والشر، وحررني من كل سحر مستمر وحررني من قيد ذاتي، فليس هناك قيد يصدني كقيد نفسي



منتدى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام
http://www.m-mahdi.com/forum