عراقي
December 17th,2006, 06:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ )
صدق الله العلي العظيم
اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد وعل آله الطيبين الطاهرين الذين فرضت طاعتهم وأتباعهم على العالمين
الدكتور تاج الدين الجاعوني
( أردن ـ سني )
ولد في المملكة الأردنية الهاشمية بالعاصمة عمان، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الطب النسائي، لكنه مع ذلك كان يهوى الدراسات الدينية، فخصص الكثير من أوقاته لتوسيع آفاق رؤيته في المجال الديني، فلهذا مزج الطب بالدين والاخلاق، وجمع بين العلم والايمان والأدب، وكانت ثمرة ذلك أنّه اضاف إلى المكتبة الاسلامية كتاباً نفيساً مؤلف من أربعة أجزاء تحت عنوان "الانسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن".
وقدّم فيه ثقافة طبّية ترفع مستوى ايمان المسلم بدينه، وقد مزج فيه المادة العلمية بالفكرة الدينية وقد حاول كما ذكر الاستاذ عبدالله الغريفي في تقديمه لكتابه هذا أن يتعامل مع الآيات القرآنية مع خلال الرؤية العلمية الناضجة ومن خلال المعايشة الروحية الوجدانية، بحيث تلتحم الرؤية العلمية مع المعايشة الروحية الوجدانية، وتتجلى روعة المضمون القرآني بما يحمل من دلالات اعجازية في كل المسارات، وتبنّى هذا الكتاب تنمية وعي الأجيال على أسس قرآنية وركائز ايمانية تساهم في تجذير الأصالة في داخل الأمة لمواجهة التحديات الخطيرة التي تحاول مسخ الهوية الحقيقية لاجيالنا وتحاول أن تملىء المسيرة ضمن المفهومات الجاهلية الكافرة.
اهتمامه بطلب العلوم الدينية:
لم يسمح الدكتور تاج الدين لنفسه أن يكون علم الطب حاجزاً له يمنعه عن الاهتمام بطلب العلم الديني والبحث عن المعرفة الصحيحة التي تمنح صاحبها رؤية كونية مطابقة للواقع والحقيقة.
فيقول الدكتور تاج الدين في هذا المجال: "حثّت التعاليم الاسلامية في القرآن والحديث على طلب العلم والمعرفة بحيث عدّت الإنسان الجاهل أعمى وجعلت المعرفة مقياساً هادياً لتقييم الأشياء وترجيحها، وعدّت النظرة السطحية إلى الأشياء تافهة. انظر المنطلق الصحيح للمعرفة (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، القرآن يحثّ على كسب العلم وطلب المعرفة وإعمال الفكر فيلفت العقول إلى التعمّق وسبر أغوار الكائنات فيشحذ الاذهان ويشرح الصدور".
ويضيف الدكتور قائلا: "قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ )، وقال أيضاً: (يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ )، القرآن الكريم يفاضل بين الذين يعلمون والذين لايعلمون، ثم لا يترك الانسان في حيرة بل يزوّده بكل أنواع المعرفة، ويطلب منه أن يتدبّر ويتأمل، حتى يستذكر الحق والخير، والآيات في القرآن كثيرة تنبّه الإنسان وتحفّزه على اليقظة، وتحذّره من الغفلة، ليتسنى له إدراك الواقع الحق. ثم يقول:
(إِنَّ فِى ذَ لِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ )، أولا يمايز بين العالم والجاهل، ثم يضع أمام الإنسان من المعارف في سائر المواضيع حول الطبيعة، والانسان، والحياة والسياسة والمجتمع والأحكام والحقوق والتاريخ والطب وكلّها لتوعية الإنسان ودعوته إلى الاعتبار".
ويؤكد الدكتور حول أهمية طلب العلوم الدينية: "إنّه ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة، فالمعرفة والعلم مقياس قيمة الإنسان، والقرآن الكريم يعمد إلى ايقاظ النفوس وحملها على أن تتدبّر وتتأمل، وهناك آيات كثيرة تُنبّه الانسان وتنير له الطريق ليتسنى له معرفة الحق والباطل".
طلبه للعقيدة الحقة:
يقول الدكتور تاج الدين: "لقد بيّن القرآن استلزام المعرفة للعقيدة، فقال: (لَّـكِنِ الرَّ سِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيماً )، وقال: (وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَ ط مُّسْتَقِيم )، وقال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )، أجل دعا القرآن إلى طلب المعرفة، معرفة النفس ومعرفة الكون ومعرفة الله تعالى ومعرفة أحوال الناس والنواميس التاريخية، واكدّ على الحرية الفكرية في طلب الصائب من الآراء، قال (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَ أُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ ، وقال: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ)
ومن هذا المنطلق توجه الدكتور تاج الدين إلى البحث عن المذهب الاسلامي الصحيح الذي يوصله إلى الحق، فكلّف نفسه التنقيب في هذا المجال، بغض النظر عما يُعتقد به ابواه الذين كانا ينتميان إلى المذهب السني وبغض النظر عن المعتقدات التي تلقاها من المجتمع الذي عاش في كنفه.
تغييره للانتماء المذهبي:
اخلص الدكتور الجاعوني في بحثه عن الحقيقة، وحاول أن يتحرّر من كل فكرة سابقة قبل الشروع بالبحث والتقصّي، واجتهد ليستخلص بعون الله سبحانه وتعالى لنفسه صورة واضحة تورده مورد الصدق، فكانت النتيجة أنّه وجد أهل البيت (عليهم السلام) هم صفوة الله تعالى في خلقه، وهم سفن نجاة الأمة وأمانها من الاختلاف في الدين واعلام هدايتها وثقل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبقيته في أمته ولولا هم لضاع الحق وذهب النور، فلهذا فتح الدكتور تاج الدين عقله وقلبه ليتلقى العلم من هؤلاء.
ثم ادرك الدكتور بأنّ أيقن الطرق إلى الصواب هو ما بينه أهل البيت (عليهم السلام) ، وأنّ سبيلهم واضح لا يلجه شك أو شبهة وأنّ مذهبهم يؤدي إلى معرفة الحق، وأنّهم أغنوا الأمة الاسلامية عن اتباع المسالك الضالة التي ابتدعها من ليس له أهل.
ومن هذا المنطق تحوّل الدكتور تاج الدين من مذهبه السابق واعتنق من أعماق وجوده مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ثم حاول أن يوطّن نفسه للدعوة إلى سبيل
الحق وأن ينبّه مَن حوله إلى الحقائق التي حاول البعض كتمانها واخفاءها وفقاً لما أملت عليهم مصالحهم الذاتية.
وقد وُفق الدكتور في ضوء استطاعته أن يتلقّى على عاتقه هذه المهمة الصعبة، وكانت من جملة الأمور التي قام بها هي نشر جملة من المقالات في بعض الصحف المعترف بها من قبيل صحيفة الدستور، وحاول الدكتور من خلال هذه المقالات أن يعرّف الناس بمكانة ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ومقامهم ومنزلتهم التي رسمها رسول الله(صلى الله عليه وآله)لهم من بعده.
مؤلفاته:
(1) "الانسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن":
صدر عام 1413هـ ـ 1993م عن دار عمار، الاردن في أربعة أجزاء.
ذكر المؤلف في المقدمة: "إن ما اقدمه هو لقطات علمية أو قل مشاهد قرآنية، حقائق طبية معروفة للكثيرين ليست هي بالاسرار ولا بالألغاز، وإنما هي آيات أو قل معجزات يجب التوقف عندها ودراستها واستيعابها.. هذا العمل المتواضع يسلّط الأضواء فقط على بعض الآيات الشريفة التي تعالج خلق الانسان.. من أجل بعث وعي قرآني".
ويتطرّق المؤلف في الأجزاء الأربعة من هذا الكتاب إلى اطوار خلقة الانسان وكل أطوار حياته منذ أن يكون نطفه في الرحم إلى أن يخرج انساناً وفي كل مراحل حياته، ويقدم المؤلف خلال ابحاثه النصائح الطبية التي تتجسد فيها عناصر الوقاية من كثير الامراض وحماية الاطفال والنساء والرجال من كثير من عوامل الاعاقة وحماية الانسان من المزالق المرضية.
وقفة مع كتابه: "الانسان هذا الكائن العجيب"
يوضّح الكاتب فكرة الكتاب وما يريد أن يقول فيه، فيقول:
قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَ فِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ ) صدق الله العلي العظيم وقال:(وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَـوَ تِ وَالاَْرْضِ) وقال أيضاً: (وَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـوَ تِ وَ مَا فِى الاَْرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَ لِكَ لاََيَـت لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) وقال: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )... حثّ الإنسان المؤمن الواعي على التفكير. وقال تعالى يحذّر من الجهل والجهالة: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ).. وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) وقال: (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يُجَـدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـن مَّرِيد ). وقال يستحثّ الناس على اتّباع النافع من البصائر والعلوم (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)... وقال أيضاً: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى الظُّـلُمَـتِ) هكذا حثّت التعاليم الإسلامية في القرآن والحديث على طلب العلم والمعرفة بحيث عدّت الإنسان الجاهل أعمى وجعلت المعرفة مقياساً هادياً لتقييم الأشياء وترجيحها، وعدّت النظرة السطحيّة إلى الأشياء تافهة. انظر المنطلق الصحيح للمعرفة (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).. القرآن يحثّ على كسب العلم وطلب المعرفة وإعمال الفكر فيلفت العقول إلى التعمّق وسبر أغوار الكائنات فيشحذ الأذهان ويشرح الصدور...
(فَلْيَنظُرِ الاِْنسَـنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآء دَافِق * يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئبِ * إِنَّهُو عَلَى رَجْعِهِ ى لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ ).
الماء الدافق:
يبدأ الكاتب في توضيح بعض المصطلحات القرآنية لادوار الجنين على أساس ما يقوله الطب فيقول:
الماء الدافق ما هو؟ قال أكثر المفسرين هو السائل المنوي في الرجل... ولكن ماذا يقول الطب في المرأة؟... المعروف أنَّ للمرأة نوعين من الماء أولهما ماء لزج يسيل ولا يتدفّق وهو ماء المهبل، ويساعد فقط على ترطيب المهبل وتنظيفه من الجراثيم. أمّا الثاني فهو ماء متدفّق أجل ماء متدفّق يخرج من حويصلة المبيض مرّة كل شهر وفيه البويضة التي يلتقطها النفير (قناة فالوب) بوساطة أهداب ناعمة ملساء ويدفعها حتّى تلتقي بالحيوان المنوي في دهليز البوق... المهم أنّ كليهما يتدفقان... ماء الرجل وماء المرأة... وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب، أي من الخصية والمبيض... وكلاهما يتكوّنان بين العمود الفقري والأضلاع في الجنين وصدق الله العظيم الذي قال: (فَلْيَنظُرِ الاِْنسَـنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآء دَافِق * يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئبِ).
(ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً):
(أَوَ لَمْ يَرَ الاِْنسَـنُ أَنَّا خَلَقْنَـهُ مِن نُّطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) القرآن يتحدَّث عن النطفة قبل 14 قرناً... تارةً ليذكّر الإنسان بأصله (هَلْ أَتَى عَلَى الاِْنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـاً مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَام بَصِيرًا ) وطوراً ليذكّره بيوم الحساب. تارة ليحمله على البحث والاستقصاء أو التأمّل والتفكّر والاعتبار وطوراً ليحفزه على الإيمان بالواحد الأحد.. فيقول: (قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ويقول في سورة القيامة: (أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الاُْنثَى * أَلَيْسَ ذَ لِكَ بِقَـدِر عَلَى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتَى).
النطفة أو الحيوان المنوي تفرزه الخصية بأعداد وفيرة تصل إلى أكثر من 350 مليون نطفة عند بعض الرجال وإلى النطفة الواحدة أو الصفر عند بعضهم الآخر (طبعاً في الأحوال غير الطبيعيّة). وإذا دقّقنا النظر في كل حيوان منوي
وجدناه "كالطوربيد" له رأس مصفّح مدبّب وله عنق صغير وله ذيل. ورأسه مثلّث الشكل يشبه رأس صاروخ أو قذيفة طوله 5 ميكرون (الميكرون 1000/1 من الملّميتر). تتحرّك "النطفة" بواسطة الذيل من المهبل إلى عنق الرحم ثمَّ إلى الرحم ومنها إلى النفير، لتلتقي بالبويضة (نطفة المرأة) في أحد النفيرين مكوّنة النطفة الأمشاج. العلم وقف حائراً سنيناً طويلة لا يعرف كيف يتكوّن الجنين والقرآن يتحدّث عن مراحل تخليق وتصوير الجنين خطوة خطوة قبل أربعة عشر قرناً وصدق الله العظيم في قوله تعالى: (ولتعلمنَّ نبأَهُ بعد حين).
ومحمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تخلُ أحاديثه من ذكر "النطفة" قال لليهودي الذي بعثته قريش ليسأله ممَّ يُخلَق الإنسان: "يا يهوديّ... مِن كلٍّ يُخلق... من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة".
البويضة (نطفة المرأة):
إنّ عملية تكوّن البويضات تبدأ بهجرة الخلايا الجرثومية البيضيّة الأوليّة من أماكن أخرى من جسم الجنين إلى منطقة الغدة التناسليّة. وأول ما يتمايز من هذه الخلايا الجرثومية الأولية هو الخلية البيضيّة البدائية (أم البيض) ثم الخلية البيضية الأولية، ثم أم سلف البويضة ثم سلف البويضة.
يتضاعف أولا DNA (حامض ديزوكسي نيوكلييك) الصبغي (الكروموزومي) في الخلايا البيضيّة الأولية. ومن بعد تمر هذه الخلايا كمثيلاتها من الخلايا المنويّة الأوليّة في مرحلتين انقساميّتين مُنَصّفتين، وتنتهي بتكوّن بويضات تحتوي على نصف عدد الصبغيات الموجودة في خلايا الجسم العادية. وهذه البويضات الناضجة فالنطفة أصغر حجماً من البويضة.
ونطفة الرجل فيها ذيل والبويضة كرويّة بلا ذيل!
نطفة الرجل تتحرّك بديناميكيّة ذاتيّة أمّا البويضة فتحمل بأهداب النفير إلى داخله والنطف توجد بالملايين بعد سن البلوغ أمّا البويضات فبالآف فقط.
النطفة قويّة الشكيمة "بطّوطيّة" (بعيدة السفر) أمّا البويضة فهي وديعة تمشي على استحياء إلى قدر محتوم فإمّا أن تصادف "فارس الأحلام" في دهليز البوق، فتعتنقه مكونّة النطفة الأمشاج، وإمّا أن تشاء الظروف أنْ لا يكون أحد في الانتظار، فتنكمش ثمَّ تذوب ثمَّ تخرج مع دم الطمث.
البويضة كالأميرة تلبس التاج المشعَ.
النطفة (الحيوان المنوي) كالطوربيد يلبس قلنسوة المحارب على رأسه المدبّب وله عنق وذيل... ولا يهمّه سوى تنفيذ المهمّة التي أُنيطت به فهو دائم الحركة، جسور لا يبالي بالمخاطر، دؤوب، يبحث دون كَلل وملل وبلهفة المشتاق عن أميرة ذات تاج مشع، داخل دهليز موحش، وعر المسلك قاتم السواد مظلم الأركان، كثير التلافيف، ممتلىء بالتعاريج، وليس الذكر كالأنثى.
ولد أو بنت؟
قال الله تعالى: (أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ (أي ماء الرجل، المني) الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الاُْنثَى).
حقيقة علميّة يصدرها القرآن قبل أربعة عشر قرناً... يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم وهي أنَّ تحديد الجنس يعود للنطف عند الذكر. القرآن يمسّكنا بطرف الخيط، ويحثّنا في الوقت نفسه على البحث عن الطرف الآخر. فالله سبحانه وتعالى لا يريدنا أن نكون كسالى وخاملين، قال: (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ).
وقال: (قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ).. هنالك حث واستنفار على البحث والتنقيب، والتفكّر والتعقّل ومعرفة النفس والكون قال: (سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَ فِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
وقال جلّ وعلا لافتاً النظر ومذكّراً: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَـتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْـاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَْبْصَـرَ وَ الاَْفْـِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ).
ويعلّمكم الله والله بكل شيء عليم...
يقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى)... نطفة الرجل فيها خصائص التذكير والتأنيث فيها نوعان من الكروموزوم (الصبغيّات) الجنسي بينما نطفة المرأة نوع واحد من الكروموزوم الجنسي وهو الكروموزوم الأنثوي...
وأخيراً، بعد أربعة عشر قرناً يتوصّل العالم إلى معرفة الفروق بين النطفة "الحيوان المنوي" والبويضة "نطفة المرأة" فقد اتّضح أنَّ نواة البويضة الأنثويّة أو أيّة خلية أخرى لدى الأُنثى تحمل أجساماً جنسيّة من نوع (XX) (س س) وإن نطفة الرجل تحتوي أجساماً جنسيّة من نوع (XY) س ص فإذا انقسمت أصبحت النطف الجديدة إمّا (Y) ص أو (X) س أي ذكريّة (Y) ص وأنثوية (X) س. والحيوان المنوي الذي يحمل إشارة (Y) (ص) يختلف عن الحيوان المنوي الذي يحمل إشارة (X) (س).. وليس الذكر كالأنثى وهنالك اختلاف بينهما ليس في الشكل والمنظر فحسب بل في خصائص ومميزات متعدّدة فإذا ما لقَّحتْ نطفة ذكريّة (Y) ص بويضة (X) س كان الناتج إنساناً ذكراً فيه جسميات (X) س و(X) س. وهكذاترى أنَّ البويضة تعطي دائماً شارة الأنوثة، أمّا نطفة الرجل فهي التي بأمكانها تحديد أذكر أم أنثى لاحتوائها على خصائص الذكورة والأنوثة وصدق الله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى) فلا يلومنّ أحد زوجته إذا هي أنجبت له إناثاً دون الذكور.
يتبع
(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ )
صدق الله العلي العظيم
اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد وعل آله الطيبين الطاهرين الذين فرضت طاعتهم وأتباعهم على العالمين
الدكتور تاج الدين الجاعوني
( أردن ـ سني )
ولد في المملكة الأردنية الهاشمية بالعاصمة عمان، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الطب النسائي، لكنه مع ذلك كان يهوى الدراسات الدينية، فخصص الكثير من أوقاته لتوسيع آفاق رؤيته في المجال الديني، فلهذا مزج الطب بالدين والاخلاق، وجمع بين العلم والايمان والأدب، وكانت ثمرة ذلك أنّه اضاف إلى المكتبة الاسلامية كتاباً نفيساً مؤلف من أربعة أجزاء تحت عنوان "الانسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن".
وقدّم فيه ثقافة طبّية ترفع مستوى ايمان المسلم بدينه، وقد مزج فيه المادة العلمية بالفكرة الدينية وقد حاول كما ذكر الاستاذ عبدالله الغريفي في تقديمه لكتابه هذا أن يتعامل مع الآيات القرآنية مع خلال الرؤية العلمية الناضجة ومن خلال المعايشة الروحية الوجدانية، بحيث تلتحم الرؤية العلمية مع المعايشة الروحية الوجدانية، وتتجلى روعة المضمون القرآني بما يحمل من دلالات اعجازية في كل المسارات، وتبنّى هذا الكتاب تنمية وعي الأجيال على أسس قرآنية وركائز ايمانية تساهم في تجذير الأصالة في داخل الأمة لمواجهة التحديات الخطيرة التي تحاول مسخ الهوية الحقيقية لاجيالنا وتحاول أن تملىء المسيرة ضمن المفهومات الجاهلية الكافرة.
اهتمامه بطلب العلوم الدينية:
لم يسمح الدكتور تاج الدين لنفسه أن يكون علم الطب حاجزاً له يمنعه عن الاهتمام بطلب العلم الديني والبحث عن المعرفة الصحيحة التي تمنح صاحبها رؤية كونية مطابقة للواقع والحقيقة.
فيقول الدكتور تاج الدين في هذا المجال: "حثّت التعاليم الاسلامية في القرآن والحديث على طلب العلم والمعرفة بحيث عدّت الإنسان الجاهل أعمى وجعلت المعرفة مقياساً هادياً لتقييم الأشياء وترجيحها، وعدّت النظرة السطحية إلى الأشياء تافهة. انظر المنطلق الصحيح للمعرفة (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، القرآن يحثّ على كسب العلم وطلب المعرفة وإعمال الفكر فيلفت العقول إلى التعمّق وسبر أغوار الكائنات فيشحذ الاذهان ويشرح الصدور".
ويضيف الدكتور قائلا: "قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ )، وقال أيضاً: (يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ )، القرآن الكريم يفاضل بين الذين يعلمون والذين لايعلمون، ثم لا يترك الانسان في حيرة بل يزوّده بكل أنواع المعرفة، ويطلب منه أن يتدبّر ويتأمل، حتى يستذكر الحق والخير، والآيات في القرآن كثيرة تنبّه الإنسان وتحفّزه على اليقظة، وتحذّره من الغفلة، ليتسنى له إدراك الواقع الحق. ثم يقول:
(إِنَّ فِى ذَ لِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ )، أولا يمايز بين العالم والجاهل، ثم يضع أمام الإنسان من المعارف في سائر المواضيع حول الطبيعة، والانسان، والحياة والسياسة والمجتمع والأحكام والحقوق والتاريخ والطب وكلّها لتوعية الإنسان ودعوته إلى الاعتبار".
ويؤكد الدكتور حول أهمية طلب العلوم الدينية: "إنّه ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة، فالمعرفة والعلم مقياس قيمة الإنسان، والقرآن الكريم يعمد إلى ايقاظ النفوس وحملها على أن تتدبّر وتتأمل، وهناك آيات كثيرة تُنبّه الانسان وتنير له الطريق ليتسنى له معرفة الحق والباطل".
طلبه للعقيدة الحقة:
يقول الدكتور تاج الدين: "لقد بيّن القرآن استلزام المعرفة للعقيدة، فقال: (لَّـكِنِ الرَّ سِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيماً )، وقال: (وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَ ط مُّسْتَقِيم )، وقال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )، أجل دعا القرآن إلى طلب المعرفة، معرفة النفس ومعرفة الكون ومعرفة الله تعالى ومعرفة أحوال الناس والنواميس التاريخية، واكدّ على الحرية الفكرية في طلب الصائب من الآراء، قال (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَ أُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الاَْلْبَـبِ ، وقال: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ)
ومن هذا المنطلق توجه الدكتور تاج الدين إلى البحث عن المذهب الاسلامي الصحيح الذي يوصله إلى الحق، فكلّف نفسه التنقيب في هذا المجال، بغض النظر عما يُعتقد به ابواه الذين كانا ينتميان إلى المذهب السني وبغض النظر عن المعتقدات التي تلقاها من المجتمع الذي عاش في كنفه.
تغييره للانتماء المذهبي:
اخلص الدكتور الجاعوني في بحثه عن الحقيقة، وحاول أن يتحرّر من كل فكرة سابقة قبل الشروع بالبحث والتقصّي، واجتهد ليستخلص بعون الله سبحانه وتعالى لنفسه صورة واضحة تورده مورد الصدق، فكانت النتيجة أنّه وجد أهل البيت (عليهم السلام) هم صفوة الله تعالى في خلقه، وهم سفن نجاة الأمة وأمانها من الاختلاف في الدين واعلام هدايتها وثقل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبقيته في أمته ولولا هم لضاع الحق وذهب النور، فلهذا فتح الدكتور تاج الدين عقله وقلبه ليتلقى العلم من هؤلاء.
ثم ادرك الدكتور بأنّ أيقن الطرق إلى الصواب هو ما بينه أهل البيت (عليهم السلام) ، وأنّ سبيلهم واضح لا يلجه شك أو شبهة وأنّ مذهبهم يؤدي إلى معرفة الحق، وأنّهم أغنوا الأمة الاسلامية عن اتباع المسالك الضالة التي ابتدعها من ليس له أهل.
ومن هذا المنطق تحوّل الدكتور تاج الدين من مذهبه السابق واعتنق من أعماق وجوده مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ثم حاول أن يوطّن نفسه للدعوة إلى سبيل
الحق وأن ينبّه مَن حوله إلى الحقائق التي حاول البعض كتمانها واخفاءها وفقاً لما أملت عليهم مصالحهم الذاتية.
وقد وُفق الدكتور في ضوء استطاعته أن يتلقّى على عاتقه هذه المهمة الصعبة، وكانت من جملة الأمور التي قام بها هي نشر جملة من المقالات في بعض الصحف المعترف بها من قبيل صحيفة الدستور، وحاول الدكتور من خلال هذه المقالات أن يعرّف الناس بمكانة ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ومقامهم ومنزلتهم التي رسمها رسول الله(صلى الله عليه وآله)لهم من بعده.
مؤلفاته:
(1) "الانسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن":
صدر عام 1413هـ ـ 1993م عن دار عمار، الاردن في أربعة أجزاء.
ذكر المؤلف في المقدمة: "إن ما اقدمه هو لقطات علمية أو قل مشاهد قرآنية، حقائق طبية معروفة للكثيرين ليست هي بالاسرار ولا بالألغاز، وإنما هي آيات أو قل معجزات يجب التوقف عندها ودراستها واستيعابها.. هذا العمل المتواضع يسلّط الأضواء فقط على بعض الآيات الشريفة التي تعالج خلق الانسان.. من أجل بعث وعي قرآني".
ويتطرّق المؤلف في الأجزاء الأربعة من هذا الكتاب إلى اطوار خلقة الانسان وكل أطوار حياته منذ أن يكون نطفه في الرحم إلى أن يخرج انساناً وفي كل مراحل حياته، ويقدم المؤلف خلال ابحاثه النصائح الطبية التي تتجسد فيها عناصر الوقاية من كثير الامراض وحماية الاطفال والنساء والرجال من كثير من عوامل الاعاقة وحماية الانسان من المزالق المرضية.
وقفة مع كتابه: "الانسان هذا الكائن العجيب"
يوضّح الكاتب فكرة الكتاب وما يريد أن يقول فيه، فيقول:
قال الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَ فِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ ) صدق الله العلي العظيم وقال:(وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَـوَ تِ وَالاَْرْضِ) وقال أيضاً: (وَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـوَ تِ وَ مَا فِى الاَْرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَ لِكَ لاََيَـت لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) وقال: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )... حثّ الإنسان المؤمن الواعي على التفكير. وقال تعالى يحذّر من الجهل والجهالة: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ).. وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) وقال: (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يُجَـدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْم وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـن مَّرِيد ). وقال يستحثّ الناس على اتّباع النافع من البصائر والعلوم (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)... وقال أيضاً: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى الظُّـلُمَـتِ) هكذا حثّت التعاليم الإسلامية في القرآن والحديث على طلب العلم والمعرفة بحيث عدّت الإنسان الجاهل أعمى وجعلت المعرفة مقياساً هادياً لتقييم الأشياء وترجيحها، وعدّت النظرة السطحيّة إلى الأشياء تافهة. انظر المنطلق الصحيح للمعرفة (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).. القرآن يحثّ على كسب العلم وطلب المعرفة وإعمال الفكر فيلفت العقول إلى التعمّق وسبر أغوار الكائنات فيشحذ الأذهان ويشرح الصدور...
(فَلْيَنظُرِ الاِْنسَـنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآء دَافِق * يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئبِ * إِنَّهُو عَلَى رَجْعِهِ ى لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ ).
الماء الدافق:
يبدأ الكاتب في توضيح بعض المصطلحات القرآنية لادوار الجنين على أساس ما يقوله الطب فيقول:
الماء الدافق ما هو؟ قال أكثر المفسرين هو السائل المنوي في الرجل... ولكن ماذا يقول الطب في المرأة؟... المعروف أنَّ للمرأة نوعين من الماء أولهما ماء لزج يسيل ولا يتدفّق وهو ماء المهبل، ويساعد فقط على ترطيب المهبل وتنظيفه من الجراثيم. أمّا الثاني فهو ماء متدفّق أجل ماء متدفّق يخرج من حويصلة المبيض مرّة كل شهر وفيه البويضة التي يلتقطها النفير (قناة فالوب) بوساطة أهداب ناعمة ملساء ويدفعها حتّى تلتقي بالحيوان المنوي في دهليز البوق... المهم أنّ كليهما يتدفقان... ماء الرجل وماء المرأة... وكلاهما يخرج من بين الصلب والترائب، أي من الخصية والمبيض... وكلاهما يتكوّنان بين العمود الفقري والأضلاع في الجنين وصدق الله العظيم الذي قال: (فَلْيَنظُرِ الاِْنسَـنُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآء دَافِق * يَخْرُجُ مِنم بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئبِ).
(ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً):
(أَوَ لَمْ يَرَ الاِْنسَـنُ أَنَّا خَلَقْنَـهُ مِن نُّطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) القرآن يتحدَّث عن النطفة قبل 14 قرناً... تارةً ليذكّر الإنسان بأصله (هَلْ أَتَى عَلَى الاِْنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـاً مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَام بَصِيرًا ) وطوراً ليذكّره بيوم الحساب. تارة ليحمله على البحث والاستقصاء أو التأمّل والتفكّر والاعتبار وطوراً ليحفزه على الإيمان بالواحد الأحد.. فيقول: (قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) ويقول في سورة القيامة: (أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الاُْنثَى * أَلَيْسَ ذَ لِكَ بِقَـدِر عَلَى أَن يُحْيِىَ الْمَوْتَى).
النطفة أو الحيوان المنوي تفرزه الخصية بأعداد وفيرة تصل إلى أكثر من 350 مليون نطفة عند بعض الرجال وإلى النطفة الواحدة أو الصفر عند بعضهم الآخر (طبعاً في الأحوال غير الطبيعيّة). وإذا دقّقنا النظر في كل حيوان منوي
وجدناه "كالطوربيد" له رأس مصفّح مدبّب وله عنق صغير وله ذيل. ورأسه مثلّث الشكل يشبه رأس صاروخ أو قذيفة طوله 5 ميكرون (الميكرون 1000/1 من الملّميتر). تتحرّك "النطفة" بواسطة الذيل من المهبل إلى عنق الرحم ثمَّ إلى الرحم ومنها إلى النفير، لتلتقي بالبويضة (نطفة المرأة) في أحد النفيرين مكوّنة النطفة الأمشاج. العلم وقف حائراً سنيناً طويلة لا يعرف كيف يتكوّن الجنين والقرآن يتحدّث عن مراحل تخليق وتصوير الجنين خطوة خطوة قبل أربعة عشر قرناً وصدق الله العظيم في قوله تعالى: (ولتعلمنَّ نبأَهُ بعد حين).
ومحمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تخلُ أحاديثه من ذكر "النطفة" قال لليهودي الذي بعثته قريش ليسأله ممَّ يُخلَق الإنسان: "يا يهوديّ... مِن كلٍّ يُخلق... من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة".
البويضة (نطفة المرأة):
إنّ عملية تكوّن البويضات تبدأ بهجرة الخلايا الجرثومية البيضيّة الأوليّة من أماكن أخرى من جسم الجنين إلى منطقة الغدة التناسليّة. وأول ما يتمايز من هذه الخلايا الجرثومية الأولية هو الخلية البيضيّة البدائية (أم البيض) ثم الخلية البيضية الأولية، ثم أم سلف البويضة ثم سلف البويضة.
يتضاعف أولا DNA (حامض ديزوكسي نيوكلييك) الصبغي (الكروموزومي) في الخلايا البيضيّة الأولية. ومن بعد تمر هذه الخلايا كمثيلاتها من الخلايا المنويّة الأوليّة في مرحلتين انقساميّتين مُنَصّفتين، وتنتهي بتكوّن بويضات تحتوي على نصف عدد الصبغيات الموجودة في خلايا الجسم العادية. وهذه البويضات الناضجة فالنطفة أصغر حجماً من البويضة.
ونطفة الرجل فيها ذيل والبويضة كرويّة بلا ذيل!
نطفة الرجل تتحرّك بديناميكيّة ذاتيّة أمّا البويضة فتحمل بأهداب النفير إلى داخله والنطف توجد بالملايين بعد سن البلوغ أمّا البويضات فبالآف فقط.
النطفة قويّة الشكيمة "بطّوطيّة" (بعيدة السفر) أمّا البويضة فهي وديعة تمشي على استحياء إلى قدر محتوم فإمّا أن تصادف "فارس الأحلام" في دهليز البوق، فتعتنقه مكونّة النطفة الأمشاج، وإمّا أن تشاء الظروف أنْ لا يكون أحد في الانتظار، فتنكمش ثمَّ تذوب ثمَّ تخرج مع دم الطمث.
البويضة كالأميرة تلبس التاج المشعَ.
النطفة (الحيوان المنوي) كالطوربيد يلبس قلنسوة المحارب على رأسه المدبّب وله عنق وذيل... ولا يهمّه سوى تنفيذ المهمّة التي أُنيطت به فهو دائم الحركة، جسور لا يبالي بالمخاطر، دؤوب، يبحث دون كَلل وملل وبلهفة المشتاق عن أميرة ذات تاج مشع، داخل دهليز موحش، وعر المسلك قاتم السواد مظلم الأركان، كثير التلافيف، ممتلىء بالتعاريج، وليس الذكر كالأنثى.
ولد أو بنت؟
قال الله تعالى: (أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ (أي ماء الرجل، المني) الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الاُْنثَى).
حقيقة علميّة يصدرها القرآن قبل أربعة عشر قرناً... يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم وهي أنَّ تحديد الجنس يعود للنطف عند الذكر. القرآن يمسّكنا بطرف الخيط، ويحثّنا في الوقت نفسه على البحث عن الطرف الآخر. فالله سبحانه وتعالى لا يريدنا أن نكون كسالى وخاملين، قال: (وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ).
وقال: (قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ).. هنالك حث واستنفار على البحث والتنقيب، والتفكّر والتعقّل ومعرفة النفس والكون قال: (سَنُرِيهِمْ ءَايَـتِنَا فِى الاَْفَاقِ وَ فِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
وقال جلّ وعلا لافتاً النظر ومذكّراً: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَـتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْـاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَْبْصَـرَ وَ الاَْفْـِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ).
ويعلّمكم الله والله بكل شيء عليم...
يقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى)... نطفة الرجل فيها خصائص التذكير والتأنيث فيها نوعان من الكروموزوم (الصبغيّات) الجنسي بينما نطفة المرأة نوع واحد من الكروموزوم الجنسي وهو الكروموزوم الأنثوي...
وأخيراً، بعد أربعة عشر قرناً يتوصّل العالم إلى معرفة الفروق بين النطفة "الحيوان المنوي" والبويضة "نطفة المرأة" فقد اتّضح أنَّ نواة البويضة الأنثويّة أو أيّة خلية أخرى لدى الأُنثى تحمل أجساماً جنسيّة من نوع (XX) (س س) وإن نطفة الرجل تحتوي أجساماً جنسيّة من نوع (XY) س ص فإذا انقسمت أصبحت النطف الجديدة إمّا (Y) ص أو (X) س أي ذكريّة (Y) ص وأنثوية (X) س. والحيوان المنوي الذي يحمل إشارة (Y) (ص) يختلف عن الحيوان المنوي الذي يحمل إشارة (X) (س).. وليس الذكر كالأنثى وهنالك اختلاف بينهما ليس في الشكل والمنظر فحسب بل في خصائص ومميزات متعدّدة فإذا ما لقَّحتْ نطفة ذكريّة (Y) ص بويضة (X) س كان الناتج إنساناً ذكراً فيه جسميات (X) س و(X) س. وهكذاترى أنَّ البويضة تعطي دائماً شارة الأنوثة، أمّا نطفة الرجل فهي التي بأمكانها تحديد أذكر أم أنثى لاحتوائها على خصائص الذكورة والأنوثة وصدق الله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنثَى) فلا يلومنّ أحد زوجته إذا هي أنجبت له إناثاً دون الذكور.
يتبع