داعي الحق
June 17th,2007, 05:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة الإخلاص سر من أسرار الله سبحانه وتعالى لا يعرفه إلا من أحب الله وأحبه الله فانعم عليه وقذف النور في قلبه واستودعه الإخلاص ، كما ورد في الحديث القدسي { الإخلاص سر من أسراري استودعه قلب من أحببت من عبادي } .
وإذا تحدثنا عن معاني الإخلاص فإننا نتحدث عن بعض المعاني الظاهرية التي يدركها عقلنا القاصر ويتذوقها قلبنا المظلم ، وبالتوكل على الله والإستعانة به سبحانه وتعالى أقول :
مقومات الشخصية الإسلامية المؤمنة :
ان الشارع المقدس إصدر العديد من الأوامر والارشادات للوصول بالإنسان إلى الرقي والتكامل , فيجب على كل إنسان امتثال ذلك والالتزام به وتجسيده في شخصيته ويحصل هذا التجسيد بعد تقييم النفس ومراقبتها ومحاسبتها وفق المقياس الشرعي والأخلاقي , والوصول بها إلى التكامل بعد تمتعها العلم , والتفكر , والتوكل , والصبر , والإيمان بالغيب , وغيرها .
والإيمان يترتب عليه عدة آثار , منها , ذكر الله , ووجل القلب , وخشيته , والإخلاص في العبودية , وتفصيل الكلام في مقام آخر إن شاء الله تعالى .
الإخلاص في مقومات الشخصية الإسلامية
بعد ان عرفنا ان الإيمان بالغيب هو أحد مقومات الشخصية المسلمة وانه مما يترتب على ذلك ومن آثاره هو الإخلاص , وهذا معناه ان الإخلاص في العبادة من مقومات الشخصية الإسلامية .
الإخلاص في العبادة
والكلام في العبادة أولاً ثم في الإخلاص .
أولاً:- العبادة
العبادة في اللغة , هي , غاية التذلل والخضوع والانقياد , ولذلك لا يستحقها إلا المنعم الأعظم الحقيقي جلت قدرته , ولكن لوجود إبليس والهوى والنفس والدنيا يقال ان العبادة تشمل كل سلوك فبعضهم يعبد شخصاً , وبعضهم يعبد هواه , وثالث يعبد الله الحق الواحد الأحد , وقد صدر عن الشارع المقدس ما يشير إلى هذا :-
1- قوله تعالى :{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ...} الجاثية /23
2- وقوله تعالى :- { اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ....}التوبة / 31
3- وقوله تعالى:- {... وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } التوبة / 31 .
وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) :{من أطاع رجلاً في معصية الله فقد عبده } .
ثانياً :- الإخلاص
بما ان العبودية تمثل علاقة بين العبد والمعبود , فالعبودية بين الإنسان والله تعالى يجب ان تكون بالإخلاص لله وحده لا شريك له , فيكون مصداقاً لقوله تعالى : { وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.... } البينة/5 .
فالإخلاص هو الحجر الأساس في كيان العقائد والشرائع , وهو الشرط الأساس والواقعي في صحة وتزكية العمل , وتطهيره , وتنقيته, وقبوله عند الله تعالى فيكون جزاء العامل , رحمة الله ونعمته , والخلود في جَنّاته , فيكون مصداقاً لقول أمير المؤمنين(عليه السلام): {طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء , ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه , ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه , ولم يحزن صدره بما أعطي غيره} .
معنى الإخلاص
قلنا سابقاً ان حقيقة الإخلاص من أسرار الله تعالى , أما الإخلاص في اللغة فهو التمحيص والتصفية والتجديد والتخليص , والإخلاص في الطاعة هو ترك الرياء وتجريد النفس عن طلب المنزلة في قلوب الناس.
وقد استعمل الشارع المقدس بعض المعاني للدلالة على الإخلاص بالمعنى الظاهري بالمطابقة أو الالتزام , منها :
1- الإخلاص ضد الرياء . فهو ترك الرياء
ويشهد لهذا ما ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) عن ابائه عن جده أمير المؤمنين (عليهم السلام) :{الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم , والعلم كله جهل إلا ما عمل به , والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصاً, والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له } .
2- الإخلاص هو التوحيد
لأن الرياء شرك , ولأن الإخلاص ضد الرياء , ولأن الشرك ضد التوحيد , فينتج ان الإخلاص توحيد ويشير إلى المقدمة الأولى (ان الرياء شرك) :
قوله تعالى: {... فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } الكهف/110 .
وما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :{ أني تخوفت على أمتي الشرك , أما أنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً , ولكنهم يراؤون بأعمالهم } .
3- الإخلاص هو موافقة ومطابقة السر مع العلن
وهذا يبتني على ان الإخلاص ضد الرياء وان الرياء هو عدم مطابقة السر للعلن , ويشير هذا ما ورد عن النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) {سيأتي زمان ... تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا , لا يريدون به ما عند ربهم , يكون دينهم رياء , لا يخالطهم خوف , يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم } .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام):{ ثلاث علامات للمرائي , ينشط إذا رأى الناس , ويكسل إذا كان وحده , ويحب ان يحمد في كل أموره}.
4- الإخلاص هو النية والإصابة وخشية الله
ويشير إلى هذا :
ما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قول الله(U): {...لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً...} هود/7 . قال(عليه السلام): { ليس يعني أكثركم عملاً , لكن أصوبكم عملاً وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة , }
ثم قال(عليه السلام): { الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل, والعمل الخالص الذي لا تريد ان يحمدك عليه أحد إلا الله(U) , والنية أفضل من العمل , ألا وأن النية هي العمل , ثم تلا قوله تعالى:{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ...}الإسراء/84 , يعني على نيته } .
وما ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) :{ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً , إلا زهده الله تعالى في الدنيا , وبصرّه داءها ودواءها , واثبت الحكمة في قلبه , وانطق بها لسانه }.
وما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): {من أخلص أربعين يوماً فجّرَ الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه }.
5- الإخلاص هو قبول الأعمال
وذلك لأن الإخلاص ضد الرياء , والأخير فساد العمل , وعدم قبوله, يشير إلى هذا , وما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :{ ان الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به , فإذا صعد بحسناته, يقول الله(U) أجعلوها في سجين انه ليس أياي أراد به}.
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : {لا يقبل الله عملاً فيه مثقال ذرة من رياء} .
6- الإخلاص هو التحرر من اغواء الشيطان واضاليله
ويشير إلى هذا قوله تعالى:{قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين(82) إلا عبادك منهم المخلصين} سورة ص / 82-83 .
7- الإخلاص حب الله
فالحب هو التجرد والاخلاء عن كل شاغل سوى الله تعالى , ويشير لهذا ما ورد في الحديث القدسي :{يا داود أنك تزعم أنك تحبني , فأن كنت تحبني فأخرج حب الدنيا عن قلبك , فأن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب} .
وعن الإمام الحسين(عليه السلام) في دعاء عرفات :{انت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحباك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك } .
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) : {حب الله إذ أضاء سرّ عبد أخلاه عن كل شاغل , وكل ذكر سوى الله .... والمحب أخلص الناس سراً لله , وأصدقهم قولاً وأوفاهم عهداً وأزكاهم عملاً وأصفاهم ذكراً , وأعبدهم نفساً , تتباها الملائكة عند مناجاته وتفتخر برؤيته , وبه يعمر الله بلاده , وبكرامته يكرم الله عباده , ويعطيهم إذا سألوه بحقه , ويدفع عنهم البلايا برحمته ولو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه } .
8- الإخلاص أفضل العبادات
ويشهد لهذا :
قوله تعالى : {فأعبدوا الله مخلصاً له الدين (2) ألا لله الدين الخالص...} البينة /2- 3 .
وقوله تعالى : {وما أمروا ألا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ...} البينة/ 5 .
وما ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام) {أفضل العبادة الإخلاص} .
9- الإخلاص هو تحقير النفس
ويشير إلى هذا ما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :{يا أبا ذر , لا يفقه الرجل كل الفقه , حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر , ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها } .
درجات الإخلاص
بما ان الإخلاص عند الانسان من الصفات النفسية , فهو قابل للزيادة والنقصان , وهذا يعتمد على محورين :
المحور الأول: عمق الإيمان
من الواضح ان مستوى الايمان وعمقه يختلف من شخص إلى آخر , ويؤثر هذا في مقدار تفاعل الانسان مع الحقائق الربانية , ويؤثر على مدى إدراكه ان الله ربه وخالقه وهو الذي يستحق العبادة , وكل ما غار هذا الادراك في اعماق النفس , فأنه يحرك المشاعر والاحاسيس ويدفع إلى الطاعة الحقيقية والإخلاص الخالي من الشوائب .
المحور الثاني: تربية النفس على الإخلاص
بعد ان يدرك الانسان المؤمن معنى الإخلاص و أثره في بناء الشخصية الإسلامية المؤمنة , عليه ان يربي نفسه على الإخلاص , وذلك بان يلتفت إلى الإخلاص دائماً , فيجعل كل أقواله وأفعاله صغيرها وكبيرها وكل حركاته وسكناته متصلة بالإخلاص ونقية من شوائب النية .
وتربية النفس على الإخلاص تشمل عدة مستويات منها :
المستوى الأول: النية عند أداء الطاعة والعبادة :
والثابت شرعاً ان النية الصحيحة والمقبولة على درجات مختلفة تنحصر بين درجتين :
الدرجة الدنيا: درجة الإخلاص المخلوط .
ففي هذه الدرجة تختلط النية ببعض الشوائب التي فيها غاية أخرى غير رضا الله تعالى , وفي هذه الحالة يكون العمل صحيحاً بشرط خلو النية من الرياء .
الدرجة العليا: درجة الإخلاص التام .
ففي هذه الحالة تتجرد النية عن الشوائب كلها .
ووجود الشوائب وعدمها واختلاف مقدارها يعتمد على عدة عوامل منها :
1- مستوى ايمان الشخص .
2- الحالة النفسية التي يعيشها أثناء العمل . فأن للنفس الاقبال والادبار .
3- نوع العمل الذي يقوم به الشخص , فالعمل الذي يكون موافقاً للهوى تتعرض نفس المؤمن لاحتمال وجود الشائبة في اخلاصه بقيمة احتمالية أكبر .
أما في العمل المخالف للهوى والذي يلقي مقاومة من نفس الانسان فمثل هذا العمل يكون اكثر احتمالاً لتسجيل وتحقيق الإخلاص التام.
4- الالتفات قبل العمل إلى معنى الإخلاص , والاهتمام بجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم سبحانه وتعالى .
5- مواجهة النفس بعد اداء العمل , وتقيميها ومحاسبتها بالنظر في مقدار الشوائب , وخلوها من ذلك .
المستوى الثاني : تعميم الإخلاص
عندما يكون هم الانسان الأكبر هو ارضاء الله سبحانه وتعالى , فانه سيجعل الصفة النفسية للاخلاص عامة , وتشمل حتى تفكير الانسان وعواطفه .
ومن الواضح ان درجة ارضاء الله تعالى تختلف من شخص إلى آخر , ومن حالة إلى أخرى , وتنحصر بين درجتين :
1- الدرجة الدنيا : وفيها لا يبغي المؤمن غير ان يتخلص من العقاب وان يسقط عنه الواجب , وفي هذه الحالة تكون نية الطاعة والإخلاص على الواجبات وبعض المستحبات (مثلاً) , أما باقي أوقاته فتصبح فارغة من نية الطاعة لله .
2- الدرجة العليا : وفيها يصبح هم العبد هو الله سبحانه وتعالى , ويصبح تفكيره خالصاً لله , وتتصاعد هذه الحالة اكثر واكثر حتى تبدأ أحاسيسه وحبه وكرهه وغضبه ورضاه , في التحول من جانب الاهواء إلى جانب رضا الله سبحانه وتعالى , وفي هذه الحالة تكون جميع أعماله لله , من الواجبات والمستحبات وحتى المباحات بل والحركات والسكنات , ويتصاعد الإخلاص عند المؤمن فلا يعيش إلا لله , وهذا هو الإخلاص التام , وهو لا يحصل ألا ممن عانى وجاهد وسعى في تربية نفسه وفي تنقية إخلاصه من الشوائب , وقد ورد في الحديث القدسي : {الإخلاص سر من اسراري استودعه قلب من أحببت من عبادي } .
منقول من كتاب السيد الحسني
حقيقة الإخلاص سر من أسرار الله سبحانه وتعالى لا يعرفه إلا من أحب الله وأحبه الله فانعم عليه وقذف النور في قلبه واستودعه الإخلاص ، كما ورد في الحديث القدسي { الإخلاص سر من أسراري استودعه قلب من أحببت من عبادي } .
وإذا تحدثنا عن معاني الإخلاص فإننا نتحدث عن بعض المعاني الظاهرية التي يدركها عقلنا القاصر ويتذوقها قلبنا المظلم ، وبالتوكل على الله والإستعانة به سبحانه وتعالى أقول :
مقومات الشخصية الإسلامية المؤمنة :
ان الشارع المقدس إصدر العديد من الأوامر والارشادات للوصول بالإنسان إلى الرقي والتكامل , فيجب على كل إنسان امتثال ذلك والالتزام به وتجسيده في شخصيته ويحصل هذا التجسيد بعد تقييم النفس ومراقبتها ومحاسبتها وفق المقياس الشرعي والأخلاقي , والوصول بها إلى التكامل بعد تمتعها العلم , والتفكر , والتوكل , والصبر , والإيمان بالغيب , وغيرها .
والإيمان يترتب عليه عدة آثار , منها , ذكر الله , ووجل القلب , وخشيته , والإخلاص في العبودية , وتفصيل الكلام في مقام آخر إن شاء الله تعالى .
الإخلاص في مقومات الشخصية الإسلامية
بعد ان عرفنا ان الإيمان بالغيب هو أحد مقومات الشخصية المسلمة وانه مما يترتب على ذلك ومن آثاره هو الإخلاص , وهذا معناه ان الإخلاص في العبادة من مقومات الشخصية الإسلامية .
الإخلاص في العبادة
والكلام في العبادة أولاً ثم في الإخلاص .
أولاً:- العبادة
العبادة في اللغة , هي , غاية التذلل والخضوع والانقياد , ولذلك لا يستحقها إلا المنعم الأعظم الحقيقي جلت قدرته , ولكن لوجود إبليس والهوى والنفس والدنيا يقال ان العبادة تشمل كل سلوك فبعضهم يعبد شخصاً , وبعضهم يعبد هواه , وثالث يعبد الله الحق الواحد الأحد , وقد صدر عن الشارع المقدس ما يشير إلى هذا :-
1- قوله تعالى :{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ...} الجاثية /23
2- وقوله تعالى :- { اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ....}التوبة / 31
3- وقوله تعالى:- {... وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } التوبة / 31 .
وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) :{من أطاع رجلاً في معصية الله فقد عبده } .
ثانياً :- الإخلاص
بما ان العبودية تمثل علاقة بين العبد والمعبود , فالعبودية بين الإنسان والله تعالى يجب ان تكون بالإخلاص لله وحده لا شريك له , فيكون مصداقاً لقوله تعالى : { وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.... } البينة/5 .
فالإخلاص هو الحجر الأساس في كيان العقائد والشرائع , وهو الشرط الأساس والواقعي في صحة وتزكية العمل , وتطهيره , وتنقيته, وقبوله عند الله تعالى فيكون جزاء العامل , رحمة الله ونعمته , والخلود في جَنّاته , فيكون مصداقاً لقول أمير المؤمنين(عليه السلام): {طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء , ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه , ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه , ولم يحزن صدره بما أعطي غيره} .
معنى الإخلاص
قلنا سابقاً ان حقيقة الإخلاص من أسرار الله تعالى , أما الإخلاص في اللغة فهو التمحيص والتصفية والتجديد والتخليص , والإخلاص في الطاعة هو ترك الرياء وتجريد النفس عن طلب المنزلة في قلوب الناس.
وقد استعمل الشارع المقدس بعض المعاني للدلالة على الإخلاص بالمعنى الظاهري بالمطابقة أو الالتزام , منها :
1- الإخلاص ضد الرياء . فهو ترك الرياء
ويشهد لهذا ما ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) عن ابائه عن جده أمير المؤمنين (عليهم السلام) :{الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم , والعلم كله جهل إلا ما عمل به , والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصاً, والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له } .
2- الإخلاص هو التوحيد
لأن الرياء شرك , ولأن الإخلاص ضد الرياء , ولأن الشرك ضد التوحيد , فينتج ان الإخلاص توحيد ويشير إلى المقدمة الأولى (ان الرياء شرك) :
قوله تعالى: {... فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } الكهف/110 .
وما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :{ أني تخوفت على أمتي الشرك , أما أنهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً , ولكنهم يراؤون بأعمالهم } .
3- الإخلاص هو موافقة ومطابقة السر مع العلن
وهذا يبتني على ان الإخلاص ضد الرياء وان الرياء هو عدم مطابقة السر للعلن , ويشير هذا ما ورد عن النبي المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) {سيأتي زمان ... تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا , لا يريدون به ما عند ربهم , يكون دينهم رياء , لا يخالطهم خوف , يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم } .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام):{ ثلاث علامات للمرائي , ينشط إذا رأى الناس , ويكسل إذا كان وحده , ويحب ان يحمد في كل أموره}.
4- الإخلاص هو النية والإصابة وخشية الله
ويشير إلى هذا :
ما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قول الله(U): {...لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً...} هود/7 . قال(عليه السلام): { ليس يعني أكثركم عملاً , لكن أصوبكم عملاً وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة , }
ثم قال(عليه السلام): { الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل, والعمل الخالص الذي لا تريد ان يحمدك عليه أحد إلا الله(U) , والنية أفضل من العمل , ألا وأن النية هي العمل , ثم تلا قوله تعالى:{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ...}الإسراء/84 , يعني على نيته } .
وما ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) :{ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً , إلا زهده الله تعالى في الدنيا , وبصرّه داءها ودواءها , واثبت الحكمة في قلبه , وانطق بها لسانه }.
وما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): {من أخلص أربعين يوماً فجّرَ الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه }.
5- الإخلاص هو قبول الأعمال
وذلك لأن الإخلاص ضد الرياء , والأخير فساد العمل , وعدم قبوله, يشير إلى هذا , وما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :{ ان الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به , فإذا صعد بحسناته, يقول الله(U) أجعلوها في سجين انه ليس أياي أراد به}.
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : {لا يقبل الله عملاً فيه مثقال ذرة من رياء} .
6- الإخلاص هو التحرر من اغواء الشيطان واضاليله
ويشير إلى هذا قوله تعالى:{قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين(82) إلا عبادك منهم المخلصين} سورة ص / 82-83 .
7- الإخلاص حب الله
فالحب هو التجرد والاخلاء عن كل شاغل سوى الله تعالى , ويشير لهذا ما ورد في الحديث القدسي :{يا داود أنك تزعم أنك تحبني , فأن كنت تحبني فأخرج حب الدنيا عن قلبك , فأن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب} .
وعن الإمام الحسين(عليه السلام) في دعاء عرفات :{انت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحباك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك } .
وعن الإمام الصادق(عليه السلام) : {حب الله إذ أضاء سرّ عبد أخلاه عن كل شاغل , وكل ذكر سوى الله .... والمحب أخلص الناس سراً لله , وأصدقهم قولاً وأوفاهم عهداً وأزكاهم عملاً وأصفاهم ذكراً , وأعبدهم نفساً , تتباها الملائكة عند مناجاته وتفتخر برؤيته , وبه يعمر الله بلاده , وبكرامته يكرم الله عباده , ويعطيهم إذا سألوه بحقه , ويدفع عنهم البلايا برحمته ولو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه } .
8- الإخلاص أفضل العبادات
ويشهد لهذا :
قوله تعالى : {فأعبدوا الله مخلصاً له الدين (2) ألا لله الدين الخالص...} البينة /2- 3 .
وقوله تعالى : {وما أمروا ألا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ...} البينة/ 5 .
وما ورد عن الإمام الجواد (عليه السلام) {أفضل العبادة الإخلاص} .
9- الإخلاص هو تحقير النفس
ويشير إلى هذا ما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :{يا أبا ذر , لا يفقه الرجل كل الفقه , حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر , ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها } .
درجات الإخلاص
بما ان الإخلاص عند الانسان من الصفات النفسية , فهو قابل للزيادة والنقصان , وهذا يعتمد على محورين :
المحور الأول: عمق الإيمان
من الواضح ان مستوى الايمان وعمقه يختلف من شخص إلى آخر , ويؤثر هذا في مقدار تفاعل الانسان مع الحقائق الربانية , ويؤثر على مدى إدراكه ان الله ربه وخالقه وهو الذي يستحق العبادة , وكل ما غار هذا الادراك في اعماق النفس , فأنه يحرك المشاعر والاحاسيس ويدفع إلى الطاعة الحقيقية والإخلاص الخالي من الشوائب .
المحور الثاني: تربية النفس على الإخلاص
بعد ان يدرك الانسان المؤمن معنى الإخلاص و أثره في بناء الشخصية الإسلامية المؤمنة , عليه ان يربي نفسه على الإخلاص , وذلك بان يلتفت إلى الإخلاص دائماً , فيجعل كل أقواله وأفعاله صغيرها وكبيرها وكل حركاته وسكناته متصلة بالإخلاص ونقية من شوائب النية .
وتربية النفس على الإخلاص تشمل عدة مستويات منها :
المستوى الأول: النية عند أداء الطاعة والعبادة :
والثابت شرعاً ان النية الصحيحة والمقبولة على درجات مختلفة تنحصر بين درجتين :
الدرجة الدنيا: درجة الإخلاص المخلوط .
ففي هذه الدرجة تختلط النية ببعض الشوائب التي فيها غاية أخرى غير رضا الله تعالى , وفي هذه الحالة يكون العمل صحيحاً بشرط خلو النية من الرياء .
الدرجة العليا: درجة الإخلاص التام .
ففي هذه الحالة تتجرد النية عن الشوائب كلها .
ووجود الشوائب وعدمها واختلاف مقدارها يعتمد على عدة عوامل منها :
1- مستوى ايمان الشخص .
2- الحالة النفسية التي يعيشها أثناء العمل . فأن للنفس الاقبال والادبار .
3- نوع العمل الذي يقوم به الشخص , فالعمل الذي يكون موافقاً للهوى تتعرض نفس المؤمن لاحتمال وجود الشائبة في اخلاصه بقيمة احتمالية أكبر .
أما في العمل المخالف للهوى والذي يلقي مقاومة من نفس الانسان فمثل هذا العمل يكون اكثر احتمالاً لتسجيل وتحقيق الإخلاص التام.
4- الالتفات قبل العمل إلى معنى الإخلاص , والاهتمام بجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم سبحانه وتعالى .
5- مواجهة النفس بعد اداء العمل , وتقيميها ومحاسبتها بالنظر في مقدار الشوائب , وخلوها من ذلك .
المستوى الثاني : تعميم الإخلاص
عندما يكون هم الانسان الأكبر هو ارضاء الله سبحانه وتعالى , فانه سيجعل الصفة النفسية للاخلاص عامة , وتشمل حتى تفكير الانسان وعواطفه .
ومن الواضح ان درجة ارضاء الله تعالى تختلف من شخص إلى آخر , ومن حالة إلى أخرى , وتنحصر بين درجتين :
1- الدرجة الدنيا : وفيها لا يبغي المؤمن غير ان يتخلص من العقاب وان يسقط عنه الواجب , وفي هذه الحالة تكون نية الطاعة والإخلاص على الواجبات وبعض المستحبات (مثلاً) , أما باقي أوقاته فتصبح فارغة من نية الطاعة لله .
2- الدرجة العليا : وفيها يصبح هم العبد هو الله سبحانه وتعالى , ويصبح تفكيره خالصاً لله , وتتصاعد هذه الحالة اكثر واكثر حتى تبدأ أحاسيسه وحبه وكرهه وغضبه ورضاه , في التحول من جانب الاهواء إلى جانب رضا الله سبحانه وتعالى , وفي هذه الحالة تكون جميع أعماله لله , من الواجبات والمستحبات وحتى المباحات بل والحركات والسكنات , ويتصاعد الإخلاص عند المؤمن فلا يعيش إلا لله , وهذا هو الإخلاص التام , وهو لا يحصل ألا ممن عانى وجاهد وسعى في تربية نفسه وفي تنقية إخلاصه من الشوائب , وقد ورد في الحديث القدسي : {الإخلاص سر من اسراري استودعه قلب من أحببت من عبادي } .
منقول من كتاب السيد الحسني