|
حياة
شيث
كان شيث أعلم أولاد بني آدم في عصره ، وبوصية من آدم فانه أصبح خليفته
لهداية بني آدم .
وقالوا : عندما رحل آدم من الدنيا كان عدد أولاده وأحفاده قد بلغ الأربعين
ألف نسمة ، وانتشروا في أطراف الأرض التي كانت تتوفر فيها المياه والأراضي
الخضراء ، وكان قابيل ومن اتبعه يسكنون قريباً من اليمن . وأخذ شيث ينشر
التعاليم الدينية التي أوصى آدم بنشرها بين عباد الله ، ولكن مجموعة من
عباد النار لم يذعنوا ولم يهتدوا واستمر الأمر كذلك الى ان اصطفى الله
سبحانه وتعالى شيثاً وأنزل عليه خمسين صحيفة ليدعو الناس الى طريق الهداية
والسعادة وقد أوضح لهم شيئاً جديداً في زمان خلافته وآمن به جميع أبناء آدم
عدا اتباع قابيل ، ولكن أيام شيث كانت قصيرة وكان له ولد يدعى (( أنوش ))
وكان عالماً بصيراً بالأمور .
وعندما وصل أنوش الى سن البلوغ توفي والده شيث فقام بترويج شريعة أبيه
ومنهاجه وكان له ولد اسمه (( قينان )) وكان يدعو الناس أيضاً لدين أبيه .
وكان لقينان ولد يدعى (( مهلائيل )) ولكن أجمل أبناء آدم بالإضافة الى أنه
كان خطيباً بليغاً ، فأخذ يحرّض الناس على العمل والعمران والصناعة حيث
اتخذت الخلافة في أيامه رونقاً خاصاً . وكان الناس في ذلك الوقت يعتزون
بدين مهلائيل فيأتونه بالهدايا من كل مكان ويطيعون أوامره مسرورين من أسلوب
تعامله معهم في القول والعمل ، وقد تقدمت في أيامه الصناعات وأخذ عصره
يزدهر يوماً بعد يوم .
وعندما توفي مهلائيل واجه أولاده صعوبات كثيرة في حياتهم حيث كان الناس
يشتاقون الى رؤيته . ولم يكن أولاده بالمستوى المطلوب من فن الإدارة فأخذ
الناس يرتدّون وسادت الفوضى في الأعمال واغتنم إبليس الفرصة وجاء الى أبناء
مهلائيل على هيئة شيخ مجرّب حكيم وقال لهم : ان روح أبيكم غير راضية عنكم .
فقالوا له : لماذا ؟
قال لهم : ألا ترون ان الناس يأتون من الشرق والغرب لزيارة أبيكم ويرجعون
خائبين وأخذت الأمور تسير نحو الفوضى وأنتم لا تفكرون بحلٍ .
قالوا له : ماذا نفعل ؟
قال : اصنعوا تمثالاً في بيتكم يشبه شكل مهلائيل ضعوا عليه ستاراً ولا
تخبروا الناس بموته ، وقولوا لهم لقد أصبح شيخاً هرماً لا قدرة له على لقاء
الناس والحديث معهم وذلك ليأتي الناس لزيارته ولا يقطعوا الأمل من وجوده
وستحتفظون بمكانتكم وسترضى عنكم روح مهلائيل .
قالوا : كيف نفعل ذلك وليس لنا خبرة في فنّ النحت ؟
قال : أنا أصنع لكم ذلك حيث أني أستاذ في فن نحت التماثيل ولا أريد أجراً
على عملي وما أطلبه هو رضا الله ولا غير . فصنعوا تمثالاً لمهلائيل وفعلوا
مثلما قال لهم إبليس ، وقد دخل السرور على أولاد مهلائيل لأن الناس أخذوا
يزورون تمثال أبيهم ويأتون له بالهدايا . عند ذلك أخذ شيطان يلتقي كل يوم
بجماعة ويقول لهم : ان مهلائيل قد رحل من الدنيا وأنتم تزورون تمثالاُ
لمهلائيل فلماذا تقدمون هذه الهدايا لأولاد مهلائيل اصنعوا عندكم تمثالاً
لمهلائيل وقدموا الهدايا لأولادكم بدلاً من أن تقدموها لأولاد مهلائيل .
وبما أن الناس يحبون الاقتصاد فاتبعوا توصيات إبليس لأنها كانت أقرب لما
كانوا يحبون ، ومن ذلك الوقت شاعت عبادة الاصنام وشيئاً فشيئاً فقد فَقَدَ
أولاد مهلائيل السيطرة على زمام الأمور وأخذ الشيطان يدير الأمور ، فانقسم
الناس الى مجاميع ، مجموعة تعبد النار وأخرى تعبد الأصنام ، ولم تزل في
أذهان الناس ممارسات الجيدة التي اعتادو عليها في عبادتهم لله سبحانه
وتعالى . وكان الشيطان يريد جرهم أكثر فأكثر الى الفساد فعلّم أحد أولاد
قابيل صناعة الخمر وقال له هذا الشراب نزل من الجنة ألا تراه كيف يبث
النشوة في رأس شاربه ، وقد راجت مسألة شرب الخمور ووسائل اللهو بشكل واسع .
وكانوا لا يعتنون بتعاليم آدم وشيث ومهلائيل واستمر الأمر كذلك الى خلافة
النبي إدريس (عليه السلام). |